يا صاحب الطير: فرقة الفنون جعلت خشبة المسرح وطناً حرا..

بقلم: د. دلال صائب عريقات

يناير 5, 2026 - 09:12
يا صاحب الطير: فرقة الفنون جعلت خشبة المسرح وطناً حرا..

بقلم: د. دلال صائب عريقات

فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية تخوض "ملحمة" وجودية على خشبة المسرح. وما يكتمل المشهد, لا يملك الجمهور إلا أن ينحني إجلالاً بين ما تراه العين وما يستوعبه العقل ويتحمله الفؤاد. فنٌ بصوت الوطن، تُحرّكه أرواحٌ على هيئة راقصين تجندت اجسادهم لخدمة الرواية الفلسطينية بكل شغف والتزام وانضباط. من تشكيلات الدبكة, إلى الموسيقى، الإضاءة, الصوت، المونتاج الذي يضبط إيقاع الحكاية إلى تصميم الأزياء الذي يحمل عبق التاريخ, يأخذنا العرض مدا وجزرا ما بين الحضارة والحداثة, بين الواقع والأسطورة, فكل تفصيل في العمل هي فعلٌ سياسي ودبلوماسي بامتياز، يبطل رواية الاحتلال ويُثبّت رواية الاحرار.

من غبار المعركة إلى بيادر الحصاد, يبدأ المشهد كأنه ساحة معركة، اصطدامٌ وتلاحمٌ يعكس صراع البقاء. نرى الأجساد وهي تقاوم الجاذبية، في "ملحمة" بصرية تجسد الصمود. ثم، وفي لحظةٍ خاطفة، ينتقل بنا الراقصون إلى مشاهد الفرح، إلى البهجة المسلوبة من تحت الركام واشتداد الحصار؛ نرى العرس الفلسطيني، الاحتفاء بالحصاد، واليرغول الذي يبعث الحياة في العروق. ولكن ما هي الا لحظات، وكأن المسرح مرآة للواقع، نصطدم فجأة بالجدار، بالإبادة، وبالاحتلال الذي يحاول خنق اللحن. هذا التضاد هو حكاية فلسطين: انكسارٌ يتبعه نهوض، وألمٌ يولد منه التحدي وتهجير تتبعه العودة.

في عرض "يا صاحب الطير"، رأينا المستحيل بصرياً, سريالية الصمود وتصويب الأحداث: الراقصون يتطايرون، يصعدون الجدران في تحدٍ مذهل للواقع الفيزيائي، وكأنهم يخبرون العالم أن جدران الاحتلال مهما علت، ستتجاوزها الأرواح الحرة. نرى الغربة في ألم نسائها، نرى "السحجة" و"الدحية" تزلزل الأرض، ونرى "جبل المحامل" كلهم يتجسدون في صورٍ حية  بسرب طيور يعيد ترتيب الوعي ويصوّب بوصلة الأحداث. وما هي الا لحظات حتى نرى المطرٌ يغسل الأرض, يطهر الألم, يزيل غبار القهر، ويحلي مرارة الخوف بجمال الثبات.
على المسرح يتزاحم جيشٌ من المبدعين الذين صاغوا هذا "الكمال البصري". هذا العمل نتاج تحضيرٍ جبار لم يترك للصدفة مكاناً. تبدأ الحكاية من هندسة الصوت التي لم تكن مجرد خلفية موسيقية، بل كانت نبضاً حياً يرتفع مع ضربات الأقدام وينخفض مع زفرات الألم، في تزاوجٍ عبقري بين "اليرغول" التراثي والتوزيع الحداثي. أما الإضاءة، فقد كانت هي الحكواتي الصامت؛ تارةً تحاصر الراقصين بظلالٍ تعكس ضيق الجدار والحصار، وتارةً أخرى تتفجر ضياءً لتجسد اتساع بيادر الحصاد وعنفوان العرس. إن كثافة المجهود المبذول في الإخراج والمونتاج تظهر في ذلك التناغم المذهل، حيث تصبح الإضاءة والصوت والموسيقى شركاء في العرض، لا مجرد مكملات.

هذا العمل هو ذروة الوفاء؛ الإدارة التي خططت، والمدربين الذين صقلوا، والراقصين الذين احترقوا ليضيئوا لنا الحقيقة.
أنا ابارك للمدربين والإداريين, ذكرني مشرف الإنتاج والتصميم والتدريب, عطا خطاب أن لي نصيبا من هذا الإنجاز, وهنا شهادتي من خلف الكواليس, على ما تخوضه الفرقة، ما لا يراه الجمهور, على مدار الأسابيع والاشهر والأعوام, الالتزام الذي يصل حد "التجنيد" في سبيل إتقان الحركة ولا ابالغ فالمدرب فعلا يطلب الالتزام "الحديدي" من افراد الفرقة وهم يلبون النداء كجنود الصف الأول باسم فلسطين. اما ولي حظ من هذا النتاج, اسمحوا لي أن أحدثكم عن تلك السمراء, صاحبة الشعر الطويل تطل على خشبة المسرح، "سارة" ببساطة لها من اسمها نصيب, بابتسامة ورقة تترك اثر الفراش, تسر الناظرين وتنشر الجمال الفلسطيني برقةٍ منقطعة النظير. تحسب قدماها لا تلمسان خشبة المسرح، ينادونها بالفراشة وأنا أرى فيها انعكاس انضباط "النخبة" وشغف المخلصين تماما ما تستحقه فلسطين. لا ترقص، لا تدبك بل هي "تطير" بجناحي الكبرياء والالتزام، تجسّد أنوثة فلسطين القوية، الرشيقة، الملتزمة والصامدة صانعة من خشبة المسرح وطنا عنوانه الحرية.

شكراً لفرقة الفنون... شكراً للإدارة، للمدربين، وللراقصين الذين يحملون الوطن على أكتافهم وبقلوبهم وبخفة أقدامهم على خشبة المسرح، يقدمون الرواية الفلسطينية كحقيقةً لا تقبل التأويل. ليستمر العرض في كل بقاع العالم دون استئذان معلنة الفنون, بقوة ناعمة, إنها السفارة الأكثر كفاءة وفاعلية, أثبتت "الفنون" أن الهوية الفلسطينية لا تُحمى بالكلمات وحدها، بل بالجمال الذي يخترق العقول والقلوب عابرة الحدود بلغةً الشعوب وكيف يكتفي الحاضر من هذا العمل؟ يا صاحب الطير, ليس مجرد عمل, دبكة او رقصة شعبية، هو "وفاء" للأرض وللشهداء وللأسرى, هو رواية وطن.