حكومة تحريض لا إدارة: إسرائيل تشن حرب استيطان على الفلسطينيين وتدفن حل الدولتين
حكومة تحريض لا إدارة: إسرائيل تشن حرب استيطان على الفلسطينيين
وتدفن حل الدولتين
د. راسم بشارات - دكتوراة في دراسات غرب اسيا
مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة - فلسطين
لم يعد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية ظاهرة هامشية عابرة، بل بات سياسة دولة معلنة تدار من أعلى هرم السلطة، ويتم تنفيذها عبر منظومة متكاملة من القرارات الحكومية، والخطاب التحريضي العلني، وتسليح المستوطنين، وفرض الوقائع بالقوة على الأرض. ما يجري اليوم هو مشروع ضم فعلي يعاد إنتاجه يوميا في مناطق "ج" والقدس المحتلة، في تحد مباشر للقانون الدولي، وعلى حساب الأمن الإنساني للفلسطينيين، ومستقبل أي تسوية سياسية قائمة على إنهاء الاحتلال.
في هذا السياق، لم يعد الاستيطان مجرد توسع جغرافي، بل أداة سياسية وأمنية تستخدم لتفكيك المجتمع الفلسطيني، وخنق المدن والقرى، وتدمير التواصل الجغرافي، وسط تصعيد غير مسبوق في التحريض الرسمي الذي يحول المدنيين الفلسطينيين إلى أهداف، ويقضي عمليا على ما تبقى من أفق لحل الدولتين، بينما يستمر الصمت الدولي في توفير غطاء غير مباشر لهذه السياسات.
قرارات كابينت: شرعنة نهب الأرض
بحسب ما كشفته قناة I24 العبرية، صادق مجلس الكابينت الإسرائيلي في اجتماعه الأخير على إنشاء 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، في خطوة تعكس اندفاعاً غير مسبوق نحو فرض وقائع دائمة على الأرض.
كما وتكشف المعطيات الأخيرة عن انتقال المشروع الاستيطاني الإسرائيلي إلى مرحلة أكثر عدوانية وتنظيما، مع إعلان نية الحكومة الإسرائيلية إقامة 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، بالتوازي مع رصد نحو 3 مليارات شيكل لدعم وتوسيع الاستيطان. هذا التمويل الضخم لا يندرج في إطار "تنمية" كما تدعي إسرائيل، بل يوجه لتثبيت وقائع استعمارية دائمة عبر شق الطرق، وبناء البنية التحتية، وتوسيع البؤر الاستيطانية وتحويلها إلى مستوطنات رسمية، في خرق واضح للقانون الدولي. ويعكس هذا القرار سياسة دولة ممنهجة تهدف إلى تسريع السيطرة على الأرض، وخنق التجمعات الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا.
نتنياهو: ينسف أوسلو والتحريض من أعلى الهرم
في جلسة الكابينت نفسها، لم يكتفي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالمصادقة على التوسع الاستيطاني، بل أطلق خطاباً تحريضياً يؤسس أيديولوجيا للإقصاء، حين قال: "في أوسلو، أدخلنا عدوا إلى البيت، وفي كل مرة كانت هناك حكومة ترغب في مواصلة نهج أوسلو، كان الشعب يطيح بها." بهذا التصريح، يعلن نتنياهو عملياً دفن اتفاقيات أوسلو، ويعيد تعريف الفلسطينيين كـ "عدو"، في خطاب يبرر العنف، ويغلق الباب أمام أي مسار سياسي، ويمنح الغطاء لاستمرار السيطرة بالقوة.
الأخطر من ذلك، أن نتنياهو توجه مباشرة إلى وزيري حكومته المتطرفين، بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك، قائلاً: "هناك حاجة إلى إنشاء المزيد من نقاط الاستيطان، واصلوا عملكم." إنها دعوة رسمية مفتوحة لتكثيف البؤر الاستيطانية، بما فيها غير القانونية، وتحويل المستوطنين إلى أداة تنفيذ لسياسة الدولة.
سموتريتش: السيطرة على الأرض والمياه كـ«إنجاز»
من الأغوار الفلسطينية، أطلق سموتريتش خطابا لا يقل خطورة عن رئيسه، موجها حديثه للمستوطنين، "لقد عدنا إلى آبار المياه وسيطرنا على كل هذه المناطق… أنتم أبطال، استمروا." هذا التصريح لا يخفى طبيعته الاستعمارية: السيطرة على الموارد الحيوية، خصوصا المياه، وتجريد الفلسطينيين منها، وتحويل الاستيطان إلى فعل بطولي من وجهة نظره، في تجاهل كامل لحقوق السكان الأصليين.
بن غفير: من التحريض الى التسليح
في موازاة ذلك، يمارس وزير الأمن القومي بن غفير دوراً محورياً في عسكرة الاستيطان. من خلال سياساته، جرى توسيع دائرة تسليح المستوطنين، ومنحهم غطاءً سياسياً وأمنياً، ما ساهم في تصاعد اعتداءاتهم على القرى والتجمعات والمدن الفلسطينية. ولا يقتصر تحريض بن غفير على الفلسطينيين عموماً، بل امتد إلى التحريض على القيادة الفلسطينية نفسها، بما في ذلك الرئيس محمود عباس، في خطاب يغذي الكراهية ويشجع على العنف السياسي، ويحول المستوطنين إلى ميليشيات مسلحة تعمل تحت مظلة الدولة.
القدس: 9 آلاف وحدة استيطانية لخنق الأحياء الفلسطينية
ضمن المخطط الأشمل، تمضي إسرائيل قدما في خطة جديدة لبناء 9 آلاف وحدة استيطانية في منطقة مطار القدس شمال المدينة، في قلب المنطقة الواقعة بين الأحياء الفلسطينية.
هذا المشروع لا يستهدف التوسع العمراني فحسب، بل يهدف إلى:
● فصل شمال الضفة الغربية عن القدس
● محاصرة الأحياء الفلسطينية
● تغيير التركيبة الديمغرافية للمدينة
● وإجهاض أي إمكانية لجعل القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية.
في هذا السياق، حذرت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة من أن المخطط الاستيطاني الإسرائيلي الجديد المقترح على أراضي مطار القدس الدولي (قلنديا) شمال القدس المحتلة، والذي يهدف إلى إنشاء نحو 9 آلاف وحدة استيطانية، يشكل تصعيداً خطيراً في سياسة الاستيطان الهادفة إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني. وأوضحت أن المشروع يستهدف ضرب التواصل الجغرافي والديمغرافي بين القدس ورام الله، وتقويض أي أفق سياسي قائم على حل الدولتين، ومنع تطور القدس الشرقية كمركز حضري وتاريخي وديني فلسطيني، عبر فرض وقائع استعمارية جديدة داخل فضاء حضري فلسطيني مكتظ يضم كفر عقب وقلنديا والرام وجبع وبيت حنينا وبير نبالا.
وأضافت المنظمة أن ما تعرف باللجنة اللوائية للتخطيط والبناء تعتزم بحث المخطط رقم (101-0764936) في جلسة مقررة بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2025، مع مؤشرات على تسريع تنفيذه عبر رصد ميزانيات بذريعة "تأهيل الأراضي"، رغم تجميده سابقا. وأشارت إلى أن جزءً من الأراضي المستهدفة ملكيات فلسطينية خاصة يخطط لإخضاعها لإجراءات قسرية رغماً عن اصحابها، في انتهاك صارخ لحق الملكية والقانون الدولي، محذرة من أن تنفيذ المشروع سيخلق جيباً استيطانياً يعمق تقطيع أوصال القدس، مؤكدة مواصلة توثيقه وفضحه أمام المؤسسات الحقوقية الدولية.
تداعيات ميدانية: الفلسطينيون تحت الحصار
على الأرض، تترجم هذه السياسات إلى واقع لا يقل دموية عن المشهد الحاصل في قطاع غزة:
● مصادرة أراض واسعة في مناطق «ج»
● منع البناء الفلسطيني وهدم المنازل
● السيطرة على مصادر المياه والمراعي
● تصاعد عنف المستوطنين تحت حماية الجيش
● تفريغ تدريجي للتجمعات البدوية والريفية
الفلسطيني في مناطق "ج" لم يعد يواجه قرارات إدارية فقط، بل مشروع اقتلاع ممنهج تشارك فيه الحكومة، والجيش، والمستوطنون المسلحون، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. ويؤكد خبراء القانون الدولي أن جميع هذه الممارسات تعد انتهاكاً مباشراً لاتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، كما أن التحريض العلني، وتسليح المستوطنين، والسيطرة على الموارد، قد يرقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
ما يجري في الضفة الغربية والقدس لم يعد بالإمكان تسويقه كسياسة أمنية أو خلاف سياسي قابل للاحتواء، بل بات مشروع ضم استعماري معلن تقوده دولة بكامل مؤسساتها. حكومة نتنياهو توفر الغطاء السياسي، وسموترتيش يرسم الخرائط ويصادر الأرض، وبن غفير يسلح المستوطنين ويؤمن لهم الحصانة، بينما يعاد إنتاج خطاب كراهية رسمي يشرعن العنف ويحول الفلسطيني إلى "هدف" لا إلى إنسان له حقوق. على الأرض، تترجم هذه السياسة إلى توسع استيطاني محموم، تفكيك ممنهج للجغرافيا الفلسطينية، وتصعيد يومي يدفع المدنيون الفلسطينيون ثمنه من أمنهم ووجودهم ومستقبلهم.
في هذا المشهد، لا يدفن حل الدولتين تدريجيا فحسب، بل يتم الإجهاز عليه عمدا بالإسمنت والجرافات والسلاح والتحريض...، فيما يواصل المجتمع الدولي الاكتفاء بلغة القلق والإدانة الشكلية. السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت إسرائيل تقوض حل الدولتين، فالأدلة باتت موثقة ومعلنة، بل عن حدود الصمت الدولي، وإلى متى سيظل الإفلات من المحاسبة هو القاعدة التي تسمح بفرض وقائع لا رجعة فيها، وبدفع المنطقة بأسرها نحو انفجار مفتوح.



