خلافات واشنطن وتل أبيب بشأن خطة غزة.. خلاف على التوقيت أم على شكل «اليوم التالي»؟

تحليل: المحامي علي أبو حبلة

أغسطس 10, 2026 - 13:18
أغسطس 10, 2026 - 13:18
خلافات واشنطن وتل أبيب بشأن خطة غزة.. خلاف على التوقيت أم على شكل «اليوم التالي»؟

خلافات واشنطن وتل أبيب بشأن خطة غزة.. خلاف على التوقيت أم على شكل «اليوم التالي»؟
تحليل: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بشأن مستقبل قطاع غزة مجرد تباين في وجهات النظر خلف الأبواب المغلقة، بعدما برز إلى العلن عقب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وثيقة النقاط الخمس عشرة المرتبطة بالمرحلة الثانية من خطة غزة. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بمجرد وجود الخلاف، بل بطبيعته وحدوده، وما إذا كان بالإمكان احتواؤه أم أنه مرشح للتحول إلى أزمة سياسية بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحكومة نتنياهو.
المبعوث الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز حاول تخفيف وطأة الخلاف، مؤكداً أن واشنطن وتل أبيب تتفقان على الهدف العام، وأن التباين يدور حول «التفاصيل والتوقيت وتسلسل الأحداث». وهذه الصيغة الدبلوماسية تعكس حرص الإدارة الأميركية على عدم تحويل الخلاف مع نتنياهو إلى مواجهة علنية، خصوصاً في ظل رغبة ترامب في دفع مسار غزة نحو مرحلة جديدة تنهي الحرب وتفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية وإعمارية.
لكن الموقف الإسرائيلي يكشف أن المسألة أعمق من خلاف تقني حول الجدول الزمني. فنتنياهو يربط أي انسحاب إسرائيلي من القطاع بنزع سلاح حركة حماس بصورة كاملة، بينما تقوم الخطة الأميركية على مسار مرحلي يربط نزع السلاح بالانسحاب التدريجي وإعادة ترتيب الوضع الأمني والسياسي في غزة. ومن هنا تظهر العقدة الأساسية: من يبدأ أولاً، ومن يضمن التزام الطرف الآخر؟
وتزداد صعوبة الموقف بالنسبة إلى نتنياهو بسبب تركيبة حكومته والضغوط التي يمارسها اليمين الإسرائيلي، وفي مقدمه بتسلئيل سموتريتش، الذي يرفض أي انسحاب قبل ضمان نزع سلاح حماس. وبالتالي فإن نتنياهو لا يتحرك في فراغ سياسي؛ فهو مطالب من شركائه بالتمسك بمواقف متشددة، وفي الوقت نفسه يدرك أن استمرار الحرب إلى أجل غير محدد يتعارض مع الرؤية الأميركية التي تريد الانتقال إلى ترتيبات أكثر استقراراً في غزة.
الأكثر دلالة أن واشنطن، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية، لا تبدو مستعدة لاعتبار تصريحات نتنياهو الرافضة للخطة نهاية للمسار. بل إن الاتصالات بين الطرفين مستمرة، مع مؤشرات إلى أن الإدارة الأميركية تراهن على إمكانية التوصل إلى صيغة تنفيذية تحفظ ماء وجه الحكومة الإسرائيلية، من دون إسقاط جوهر الخطة.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة الأميركية: الفصل بين الموقف السياسي المعلن وبين مسار التنفيذ على الأرض. فقد يكون نتنياهو مضطراً إلى التشدد في خطابه الداخلي، بينما تستمر الاتصالات مع واشنطن بشأن تفاصيل التطبيق. وهذا يفسر لماذا لا تتعامل الإدارة الأميركية حتى الآن مع رفض نتنياهو باعتباره تمرداً على الخطة، وإنما باعتباره ورقة تفاوضية قابلة لإعادة الضبط.
في المقابل، فإن موقف حركة حماس يضيف عاملاً آخر إلى المعادلة، إذ تتمسك بما تم التوافق عليه مع الوسطاء، وتطالب بجدول زمني واضح وضمانات تحول دون تحويل المرحلة الانتقالية إلى ذريعة لاستمرار العمليات العسكرية أو تأخير الانسحاب. وبالتالي فإن أي صيغة جديدة لن تكون قابلة للحياة إذا بقيت ترتيبات الأمن والانسحاب ونزع السلاح منفصلة عن بعضها بعضاً.
والأخطر أن استمرار الخروقات الميدانية الإسرائيلية يهدد بإضعاف المسار السياسي نفسه. فكل تصعيد جديد يسقط على الأرض جزءاً من الثقة التي تحتاجها أي ترتيبات للمرحلة الثانية، ويعيد الأطراف إلى منطق الحرب بدلاً من منطق التسوية.
الخلاف الحقيقي: من يحدد نهاية الحرب؟
في القراءة السياسية الأوسع، لا تبدو المشكلة محصورة في غزة وحدها. إدارة ترامب تريد تحقيق إنجاز سياسي يثبت قدرتها على إنهاء الحروب وفرض ترتيبات إقليمية جديدة، بينما تخشى الحكومة الإسرائيلية أن يؤدي أي انسحاب أو اتفاق مرحلي إلى فقدان أوراق القوة التي تراكمت خلال الحرب.
ومن هنا فإن الصراع الحقيقي يدور حول شكل «اليوم التالي» في غزة: من يحكم؟ من يملك السلاح؟ من يضمن الأمن؟ ما حدود الانسحاب الإسرائيلي؟ ومن يتولى إعادة الإعمار؟ وما موقع السلطة الفلسطينية في أي ترتيبات مستقبلية؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت خطة النقاط الخمس عشرة ستتحول إلى مسار فعلي أم تبقى إطاراً سياسياً مؤجلاً.
أما فلسطينياً، فإن التطورات تفرض ضرورة التمسك بوحدة الموقف الوطني، وعدم السماح بتحويل الخلاف الأميركي–الإسرائيلي إلى مجرد تفاوض على ترتيبات أمنية، بمعزل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. فوقف الحرب وإعادة الإعمار لا يمكن فصلهما عن إنهاء الاحتلال وفتح الطريق أمام حل سياسي يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وعليه، فإن الخلاف الحالي بين واشنطن وتل أبيب قد يكون بداية اختبار حقيقي للعلاقة بين الحليفين، لكنه ليس بالضرورة قطيعة أو مواجهة مفتوحة. الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة إدارة ترامب على تحويل التفاهمات المعلنة إلى آلية تنفيذ، وقدرة نتنياهو على مقاومة ضغوط ائتلافه من جهة، وعدم خسارة الغطاء الأميركي من جهة أخرى.
فإذا نجحت واشنطن في فرض تسلسل مرحلي متوازن يضمن وقف النار والانسحاب وإعادة الإعمار وترتيبات الأمن، فقد تتحول الأزمة الحالية إلى مجرد خلاف تفاوضي عابر. أما إذا بقيت إسرائيل متمسكة بمبدأ «لا انسحاب قبل نزع السلاح بالكامل»، وبقيت واشنطن متمسكة بمسار مرحلي متزامن، فإن خطة غزة ستدخل اختباراً أكثر صعوبة، وقد يصبح الخلاف بين واشنطن وتل أبيب أحد العوامل الرئيسية التي تحدد مستقبل القطاع والمنطقة بأسرها.