هيئاتنا المحلية ٠٠و"الفساد الإنتخابي"!
من قلم:عمرو محمد العملة٠
هيئاتنا المحلية ٠٠و"الفساد الإنتخابي"!
من قلم:عمرو محمد العملة٠
خبير ومستشار في شؤون الحكم المحلي ٠
المراقب المتابع لعمل وأنشطة الهيئات المحلية الفلسطينية ؛ عل إختلاف أنواعها ؛وخاصة في ظل إقتراب موعد الإستحقاق الإنتخابي ؛ لا بد من أن يلحظ بسهولة ؛كيف بدأت ؛تطفو على سطح المشهد ؛ ظاهرة هي من أخطر الظواهر ؛ المتمثلة في استغلال رؤساء وأعضاء هذه الهيئات ؛مواردها؛ لأغراض إنتخابية؛ إن بصورة مباشرة أو غير مباشرة ٠
على أن المشكلة أو -الطامة الكبرى - التي تقف وراء ذلك ؛ هي عدم وجود "سند قانوني"لحصانة المال العام ؛ ويمنع رؤساء وأعضاء هذه الهيئات من إستغلال مناصبهم ونفوذهم الوظيفي؛وموارد ومقدرات هيئاتهم المحلية لأغراض إنتخابية٠
ولعل مكمن الخطورة في هذه الظاهرة؛ أنها تقود إلى إنتاج هيئات محلية ؛مطعونة الشرعية ؛ معطوبة المشروعية ؛ وتمثل انحرافاً خطيراً عن السلوك الوظيفي السوي والقويم ؛ واعتداء على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المرشحين ؛ وبمايخالف شفافية العملية الإنتخابية ٠
وبدلاً من أن تتحول هذه الإنتخابات من ممارسة ديمقراطية ؛ ومعركة ضد الفساد ؛وسوء وعجز التسيير ؛وفرصة ومحركاً للإصلاح والتغيير البنيوي المنشود؛ ليس فقط على الصعيد المحلي ؛بل على الصعيد الوطني ؛ وتكريس منطق دولة القانون والمؤسسات؛تصبح مزاد على رصيف هذه الإنتخابات؛ووسيلةلإعادة إنتاج وتدوير نفس الوجوه الفاسدة ؛وبقاء الهيئات المحلية " أوكار" للضباع والثعالب ؛ التي تماثل حوت يونس في جودة الإلتقام ؛ وعصا موسى في سرعة الإلتهام؛ وكأسيرة لسطوتها ؛وتفننها في التلاعب بميزانياتها ؛؛لا للخدمة وتحقيق ما عليها من التزامات تجاه مجتمعاتها المحلية؛ فضلاً عن تحول المواطنين من شركاء في القرار ؛ إلى مستهلكين للمنفعة الذاتية الآنية ؛بالرغم من تضررهم الجمعوي ؛على كافة المستويات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية ٠
ما دفع كاتب هذه الأسطر ؛ إلى هذه الملاحظات؛ هو أن ملف إنتخابات الهيئات المحلية ؛ بات يتصدر المشهد الوطني الفلسطيني ؛ عقب إصدار الرئيس محمود عباس؛ قرار بقانون ؛ في التاسع عشر من الشهر الجاري ؛ بإجراء إنتخابات هذه الهيئات ؛ في غضون أشهر ست ؛ من صدوره٠
وكذلك ما أعقبه من قيام الحكومة الفلسطينية؛ بمباشرة التحضيرات والمشاورات مع لجنة الإنتخابات المركزية ؛ لعقد هذه الإنتخابات ؛وفق ما جاء في مرسوم الرئيس ٠
وحيث بتنا نلحظ أن صفحات الفضاء التواصلي؛ بدأت ؛ تعج بصور التلميع الذاتي ؛ للعديد من رؤساء الهيئات المحلية ؛ الذين يبدو أنهم ينتوون الترشح لولاية جديدة؛والسعي لإعادة انتخابهم ٠
ولعل من أهم أوجه هذه الصور ؛ التي عادة ما يتبعها رؤساء هذه الهيئات ؛ للتأثير في مجريات العملية الإنتخابية ؛وتوجيه إرادة الناخبين؛ التوظيفات غير الفنية؛التلاعب في العطاءات والتلزيمات ؛القرارات الإدارية العشوائية؛المنح والهبات إلى الجمعيات الأهلية والخيرية ؛ التنفيعات وتوزيع المساعدات والخدمات شخصية ؛كشطب مستحقات الكهرباء والمياه أو تخفيضها؛التلاعب بقوانين البناء والتنظيم ؛ عن طريق منح رخص ؛ وتخفيض الرسوم؛ وغض الطرف عن مخالفات شروط البناء والإعتداءات على الشوارع والأرصفة والساحات العامة ٠
على أن سنام هذه الصور ؛ ما نستطيع تسميته؛ب "الزفت الإنتخابي" بمعنى؛ القيام بعملية " تزفييت" للعديد من الشوارع ؛وكذلك بعض الدخلات الخاصة بالمواطنين ؛ وخاصة تلك التي لها علاقة بالزبونية ٠
كاتب هذه الأسطر ومن خلال موقعه السابق في وزارة الحكم المحلي ؛ وملامسته ومعايشته عن كثب ؛ لهذه الصور من أوجه الفساد الإنتخابي ؛ والتي يجري ممارستها ؛ في خضم العملية الإنتخابية ؛ لا زيف إذا ما أدعى ؛أنها لم تكن نتيجة رؤية وتصميم مؤسسي ؛ علمي ومهني فعال ؛ بل ثمرة مبادرات فردية لرؤساء هذه الهيئات ؛كانت تشوه الأولويات المحلية ؛ وتحرف الأنظار عن إحتياجات ومشاريع؛ أكثر أهمية وإلحاحاً؛وبتوميل ظرفي؛ كان يصل إلى درجة " تصفير" ميزانيات هيئاتهم المحلية ؛ التي هي أصلاً متآكلة؛ نتيجة سوء التسيير ؛والهدر والإنفاق العشوائي فيها ٠
على أن ما كان يثير الإستغراب والتعجب ؛ هو تصوير تلك الخدمات والمشاريع ؛ كإنجازات شخصية؛ وينبوع للعطاء ؛وركيزة للبناء ؛وكراية للكرم الإنساني في خدمة مجتمعاتهم المحلية ٠
على أن الخلاصة التي نود الوصول إليها من خلال هذه العجالة؛ أننا بتنا نعيش في لحظة مفصلية من تاريخ هذا الوطن المكلوم ؛إلى درجة أن الأسرة الدولية المعاصرة؛ باتت تضعنا تحت المجهر وتراقب أداؤنا وفق عدسة مكبرة ؛وتربط هذا الأداء باستحقاقنا للدولة ؛فكلما ارتقى هذا الأداء؛ وأسس لعملية الإصلاح الوطني وتكريس منطق الحوكمة
الديمقراطية الراشدة ؛ ومنها بالطبع التغيير الجذري في مقاربة انتخابات الهيئات المحلية ؛ وجعلها كأداة للتعبير عن إرادة الناخبين ؛ومواكبة احتياجات الحكم المحلي العصري؛ كلما اقتربنا من الدولة ؛ والعكس هو الصحيح ٠
ولذلك ؛
حتى لا تؤخذ قلاعنا من داخلنا وفق " هوميروس" في إلياذته ؛ علينا أن نحصن مناعتها ؛والمسؤولية هنا تقع بالدرجة الأولى على وزارة الحكم المحلي ؛ وعلى وجه الخصوص "إدارتها العامة للتوجيه والرقابة" التي وجب عليها الإسراع؛لأخذ زمام المبادرة الإيجابية ؛باتجاه إجراءات رقابية صارمة وآليات شفافة ؛وبما يغلق الباب أمام أي محاولات لإستغلال النفوذ والمال العام ؛ للتأثير على نزاهة الإستحقاق الإنتخابي المرتقب ٠
إن الإصلاح الحقيقي ؛ ليس في إجراء وإنجاز هذه الإنتخابات؛ كما يظن أو يتوهم البعض ؛إن من يظن ذلك فهو مخطئ ؛ إنها في منع إستغلال النفوذ ؛ وترسيخ مفهوم المساءلة والمحاسبة ؛وفق الأسس الديمقراطية والقانونية والإدارية السليمة ٠
إذ ليس من المنطق أو العقل والممكن ؛أن نواجه الأسرة الدولية ونطالبها ؛ بإستحقاق الدولة؛ بحكم محلي مكبل بعوائق بنيوية ؛ وفي قبضة ؛ وتحت سطوة ؛وبغياً يتدرب فيه أبطال الإبداع في"الفساد الإنتخابي"٠٠؟!



