مجلس السلام: أداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني"

د. إبراهيم نعيرات

يناير 21, 2026 - 16:42
مجلس السلام: أداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني"

د. إبراهيم نعيرات

بعد الحرب الأخيرة، لم تعد أنظار المتابعين مقتصرة على الكارثة الإنسانية في غزة، بل امتدت لتشمل الأبعاد السياسية التي قد تعيد رسم المشروع الوطني الفلسطيني بالكامل. ما يحدث في القطاع اليوم يشير إلى بداية تحول استراتيجي محتمل يعيد توزيع السلطة الفلسطينية، بحيث تتحول غزة من مأوى للمعاناة إلى مركز مؤسساتي للكيان الفلسطيني، بينما تواجه الضفة الغربية الإهمال السياسي والتهميش التدريجي.

إن التركيز على غزة وتنظيمها مؤسساتيًا تحت إشراف مجلس السلام لا يُعد مجرد استجابة إنسانية، بل يمثل خطوة استراتيجية تحمل أبعادًا سياسية واسعة. فالترتيبات الحالية، المدعومة بمشاركة عربية وإسرائيلية، تمنح المجلس شرعية لممارسة رقابة مباشرة على إدارة غزة، بما يشبه مجلس وصاية يعيد تشكيل مسار الصراع الفلسطيني ويضمن عدم الانحراف عن أهداف محددة مسبقًا. هذا التحليل يتقاطع مع ما ناقشه علي الجرباوي في كتابه "من الطرد إلى الحكم الذاتي: المسعى الصهيوني لوأد فلسطين"، حيث يوضح كيف أن السياسات الإسرائيلية بعد 1967 سعت إلى التحكم في الكيانية الفلسطينية عبر نموذج حكم ذاتي مقيد، مع الانتقال التدريجي لمركز الثقل السياسي نحو غزة على حساب الضفة الغربية (الجرباوي، 2023).

انضمام إسرائيل إلى مجلس السلام يعكس التوجه الاستراتيجي للمجلس، لكنه لا يعني التوافق الكامل مع جميع أهدافه؛ إذ تسعى إسرائيل إلى منع أي تحول سياسي مستقل قد يهدد مصالحها، مع الحرص على إبقاء أي إدارة فلسطينية ضمن حدود السيطرة الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يخلق دعم الولايات المتحدة لإسرائيل إطارًا حذرًا يسمح للمجلس بممارسة رقابته ضمن ضوابط صارمة تحمي المصالح الإسرائيلية، ويوفر غطاءً سياسيًا دوليًا يحد من أي مسار قد يقود إلى استقلال سياسي فعلي.

على الصعيد الداخلي الفلسطيني، يعكس الانتقال التدريجي لمركز الكيان الوطني من الضفة الغربية إلى غزة إعادة ترتيب شاملة للأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فبعد الحرب، استُنفدت القدرات السياسية لحركة حماس والمقاومة المسلحة، ووصلت إلى أقصى حدود تأثيرها السياسي، في حين تكبدت السلطة الوطنية وحركة فتح خسائر سياسية كبيرة، خاصة في ظل رفض إسرائيل لأي شريك تفاوضي وتصاعد موجة الشك الشعبي التي أضعفت الثقة بالقيادات التقليدية. ضمن هذا السياق، تبرز غزة كمركز للكيان الفلسطيني الجديد، وهو ما يعزز موقعها على حساب الضفة الغربية، ويعمّق شعور الفلسطينيين هناك بالتهميش والإقصاء، بما يوسع فجوة الانقسام الداخلي ويهيئ بيئة مناسبة لتأسيس مؤسسات جديدة تعتمد على الدعم الدولي والإقليمي بدلًا من الشرعية الوطنية التقليدية.

ولا تقل الأبعاد الاقتصادية والتنموية لهذا التحول أهمية عن البعد السياسي. فإعادة الإعمار والإغاثة في غزة لم تعد مسألة إنسانية بحتة، بل تحولت إلى أداة سياسية استراتيجية، حيث تخضع المشاريع الاقتصادية والمساعدات المالية لرقابة مجلس السلام، ما يسمح ببناء مؤسسات جديدة تتوافق مع رؤيته، ويحد من قدرة أي كيان فلسطيني على ممارسة استقلاله السياسي. إن التركيز على غزة كمركز مؤسساتي يتيح استخدام التنمية الاقتصادية كوسيلة لإعادة إنتاج السلطة الوطنية تحت إشراف خارجي، وتثبيت موقع غزة كقلب للمشروع الفلسطيني الجديد، مع التحكم في الموارد وتأثيرها على المجتمع المحلي.

على الصعيدين الإقليمي والدولي، يلعب مجلس السلام دورًا محوريًا في إعادة توزيع النفوذ داخل الساحة الفلسطينية. فمشاركة الدول العربية تمنح المجلس شرعية إقليمية، وتعزز دوره كوسيط لضبط الصراع الداخلي الفلسطيني، بينما يضمن الدور الإسرائيلي حماية مصالحه ومنع ظهور كيان فلسطيني مستقل. وفي المقابل، يوفر الدعم الأمريكي لإسرائيل غطاءً سياسيًا دوليًا يعزز قوة المجلس وتأثيره على الأرض، مع الإبقاء على سقف واضح لحركته السياسية.

كما يعكس الوضع الراهن بعدًا نفسيًا وسياسيًا بالغ الأهمية لدى الشعب الفلسطيني، الذي فقد الثقة في قيادة التنظيمات التقليدية، سواء على مستوى خيار المقاومة أو المسار السياسي والتفاوضي. هذا الفراغ السياسي يفتح المجال أمام مجلس السلام ليصبح منصة لإعادة إنتاج السلطة الوطنية بأسلوب مؤسسي جديد، ولكن ضمن قيود صارمة تحول دون أي استقلال سياسي حقيقي. إن انتقال مركز الثقل السياسي والاقتصادي نحو غزة يفرض إعادة هيكلة عميقة للهوية الوطنية، حيث تصبح أدوات الإغاثة والتنمية جزءًا من استراتيجية أشمل لإعادة رسم المشروع الفلسطيني بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية والدولية، وهو ما يتماشى مع تحليلات الجرباوي (2023) حول التحكم الخارجي في تطور الكيانية الفلسطينية.

نحن اليوم أمام لحظة تحول كبرى في السياسة الفلسطينية، قد تعيد إنتاج المشهد السياسي بأكمله. فالتطورات الأخيرة تفتح الباب أمام نشوء أحزاب سياسية جديدة، أو إعادة هيكلة الأحزاب القائمة وتحويلها إلى كيانات تتكيف مع الواقع الداخلي والخارجي، وتستجيب لمطالب الشارع الفلسطيني الذي فقد ثقته بالنخب التقليدية. وقد تتحول صناديق الاقتراع المقبلة إلى منصة حقيقية لإعادة تشكيل السلطة الوطنية، ومنح الفعل الشعبي دورًا مباشرًا في توجيه المشروع الوطني، بما يسمح بظهور قيادات جديدة تعيد رسم موازين القوى المستقبلية.

في المحصلة، ما يجري في غزة اليوم لا يقتصر على كونه استجابة إنسانية لكارثة الحرب، بل يمثل نقطة تحول استراتيجية شاملة في مسار الصراع الفلسطيني. تتحول غزة تدريجيًا إلى مركز مؤسساتي للكيان الفلسطيني، في وقت تواجه فيه الضفة الغربية الإهمال والتهميش، بينما يبرز مجلس السلام كإطار رقابي وسياسي جديد يدير عملية إعادة الهيكلة ضمن قيود صارمة تمنع أي استقلال سياسي حقيقي. لم تعد الإغاثة وإعادة الإعمار أدوات إنسانية فحسب، بل أصبحت أدوات استراتيجية لإعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية والإقليمية والدولية.