إسرائيل التي نستطيع بناءها: اتفاق ائتلافي ملزم لحكومة جديدة في أيامها المئة الأولى
بقلم: غرشون باسكين
تقف إسرائيل اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر لسنوات طويلة؛ فرصة لا تقتصر على استبدال بنيامين نتنياهو، بل تمتد إلى تغيير الثقافة السياسية التي أوصلت البلاد إلى ما وصلت إليه. لقد فتح الناخبون الباب أمام التغيير، ويبقى السؤال: هل يمتلك قادة إسرائيل السياسيون الشجاعة لعبور هذا الباب؟
إن تشكيل حكومة برئاسة غادي آيزنكوت، تضم نفتالي بينيت ويائير لبيد ويائير غولان وأفيغدور ليبرمان ومنصور عباس، وتحظى بدعم القائمة المشتركة من خارج الائتلاف، سيشكل تجربة سياسية استثنائية. فرغم الخلافات الجوهرية بين أطرافها، فإنها تستطيع الاتفاق على أهداف مشتركة: ترميم المؤسسات الديمقراطية، وإعادة الاعتبار لسيادة القانون، وإصلاح المنظومة الأمنية، والشروع في معالجة الأزمات العميقة التي تواجه البلاد.
ولا يجوز أن تكون هذه مجرد حكومة أخرى تقوم على الوعود الفضفاضة، وتقاسم الحقائب الوزارية، والتوافق على تأجيل القرارات الصعبة. فقد دفعت إسرائيل ثمنًا باهظًا لهذا النهج. المطلوب ائتلاف يستند إلى برنامج عمل ملزم، بمواعيد محددة، ومسؤوليات واضحة، وآليات رقابة ومساءلة أمام الجمهور.
يجب أن تثبت الأيام المئة الأولى أن قيام حكومة من نوع مختلف أمر ممكن، وأن تؤكد الأسابيع الأولى أن هذه الحكومة جادة في إحداث التغيير.
وفيما يلي الخطوط الأساسية للاتفاق الحكومي الذي أقترحه.
1. استعادة الديمقراطية: خلال الأيام الأربعة عشر الأولى
تقرر الحكومة، في جلستها الأولى، تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تتولى التحقيق في الإخفاقات السياسية والعسكرية والاستخباراتية والمؤسسية التي سبقت تلك الأحداث ورافقتها.
وخلال أربعة عشر يومًا، يقدم وزير العدل مشاريع قوانين لإلغاء التشريعات والإجراءات التي أضعفت استقلال القضاء والرقابة الديمقراطية.
وتلتزم الحكومة بصون استقلال المحكمة العليا، والمستشارة القضائية للحكومة، ومراقب الدولة، والجهاز المهني للخدمة المدنية. وتخضع التعيينات للمناصب العامة لمعايير الكفاءة المهنية، مع ضمان الشفافية في الإنفاق الحكومي.
وتُشكَّل لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة لمتابعة التنفيذ وتقديم تقارير شهرية عن التقدم المحرز.
2. إعادة سيادة القانون إلى الأجهزة الأمنية
خلال سبعة أيام، يصدر رئيس الحكومة والوزراء المختصون تعليمات ملزمة تؤكد خضوع جهاز الأمن العام «الشاباك»، وجهاز الاستخبارات الخارجية «الموساد»، والجيش الإسرائيلي، والشرطة الإسرائيلية للقانون وللرقابة القانونية والمؤسسية.
ويُحظر أي تدخل سياسي غير قانوني في التحقيقات والتقديرات الاستخباراتية والعمليات الأمنية والتعيينات.
وتُجرى مراجعة مستقلة للتحقيق في شبهات التدخل السياسي وإساءة استخدام الصلاحيات، مع إحالة الأدلة على ارتكاب جرائم إلى الجهات القضائية المختصة.
وتخضع التعيينات في المناصب العليا لمعايير مهنية واضحة، مع توفير الحماية القانونية للعاملين في الأجهزة الأمنية الذين يبلغون، عبر القنوات الرسمية، عن أوامر مخالفة للقانون.
ولا يجوز لأي وزير تسخير الأجهزة الأمنية لخدمة مصالحه الحزبية أو الشخصية.
3. وضع حد للإرهاب القومي اليهودي: خلال الثلاثين يومًا الأولى
خلال 72 ساعة، تشكل الحكومة قيادة عمليات مشتركة تضم الشاباك والشرطة والجيش والنيابة العسكرية والنيابة العامة، تتولى تفكيك شبكات التطرف اليهودي المسؤولة عن الاعتداءات على المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية.
ويُعتقل المشتبه في تورطهم في جرائم القتل والحرق والاعتداءات وتدمير الممتلكات والترهيب المنظم، وفقًا للقانون وبناءً على الأدلة المتوافرة، ويُحالون إلى التحقيق والمحاكمة. كما تُصادر الأسلحة غير المرخصة، ويُلاحق ممولو أعمال العنف والمحرضون عليها وكل من يسهّل ارتكابها.
وخلال سبعة أيام، يعلن وزير الدفاع خطة لإزالة جميع البؤر الاستيطانية غير المرخصة، والمزارع الاستيطانية، والمنشآت الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية.
وتبدأ عمليات الإزالة خلال الأسبوع الأول، مع إعطاء الأولوية للمواقع المرتبطة باعتداءات المستوطنين أو الاستيلاء على الأراضي أو تهجير الفلسطينيين. ويُحدد هدف لاستكمال عمليات الإزالة خلال ثلاثين يومًا، حيثما تسمح الإجراءات القانونية والظروف الميدانية بذلك.
وتصدر تعليمات صريحة إلى قادة الجيش وضباط الشرطة بحماية المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم. ويُفتح تحقيق تأديبي بحق كل من يتقاعس عن تنفيذ الأوامر القانونية.
لن تكون هناك حصانة للمستوطنين الذين يمارسون العنف، ولا لمموليهم، ولا للمسؤولين الذين يوفرون لهم حماية غير قانونية.
4. إعادة بناء منظومة الأمن القومي
خلال ستين يومًا، يقدم وزير الدفاع عقيدة أمنية محدّثة تستخلص دروس السابع من أكتوبر، وتشمل حماية الحدود، وتعزيز التنسيق الاستخباراتي، وحماية المدنيين، ورفع جاهزية قوات الاحتياط.
وتعتمد الحكومة برنامجًا متعدد السنوات لدعم جنود الاحتياط والجنود المصابين والعائلات الثكلى والسكان الذين اضطروا إلى النزوح عن منازلهم.
كما تقدم مشروع قانون يضع إطارًا أكثر عدالة لتوزيع أعباء الخدمة العسكرية والخدمة المدنية الوطنية.
ويجب أن تستند السياسة الأمنية إلى الجمع بين القدرة العسكرية والأهداف السياسية الواقعية القابلة للتحقيق.
5. غزة: إقامة بديل قابل للتطبيق
خلال ثلاثين يومًا، تتبنى الحكومة سياسة واضحة تجاه قطاع غزة، تنسجم مع خطة ترامب ذات النقاط العشرين، وتقوم على إدارة مدنية فلسطينية، وترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، وبرنامج لإعادة الإعمار.
ولا يجوز أن تحتفظ حركة حماس بقوة مسلحة مستقلة أو باحتكار السلطة في القطاع.
وتدخل إسرائيل في مفاوضات مع الجهات الفلسطينية التكنوقراطية، ومجلس السلام، ومصر، والولايات المتحدة، والشركاء العرب، للتوصل إلى ترتيبات بشأن الإدارة المدنية والشرطة وإدخال المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار.
ويجري نقل المسؤوليات المدنية وفق جدول زمني متفق عليه، بالتوازي مع تنفيذ الترتيبات الأمنية وضمان تدفق المساعدات الإنسانية تحت رقابة مناسبة.
والهدف هو ضمان أمن الحدود الإسرائيلية، وإقامة إدارة مدنية فلسطينية مسؤولة عن شؤون قطاع غزة.
6. المساواة الكاملة للمواطنين العرب
يتولى منصور عباس حقيبة وزارية رفيعة المستوى، ويُمنح صلاحيات فعلية لتنفيذ برنامج شامل لتحقيق المساواة بين المواطنين.
وخلال ثلاثين يومًا، تقر الحكومة خطة خمسية ممولة لتطوير الإسكان والتخطيط والمواصلات والتعليم والتشغيل والبنية التحتية في البلدات العربية.
وتُطلق فورًا خطة طوارئ وطنية لمكافحة الجريمة المنظمة في المجتمع العربي، تجمع بين العمل الشرطي والتحقيقات المالية وحماية الشهود والملاحقة القضائية والتعاون مع السلطات المحلية.
وتُنشر المخصصات المالية ونتائج التنفيذ بصورة دورية وشفافة، مع ضمان تمثيل عادل للمواطنين العرب في مؤسسات الدولة والوظائف العامة.
7. مواجهة غلاء المعيشة
خلال ستين يومًا، يقدم وزيرا المالية والاقتصاد برنامجًا لمعالجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسكن، وتعزيز المنافسة، وتحسين خدمات المواصلات.
وتعمل الحكومة على إزالة القيود غير الضرورية على الاستيراد، وتطبيق قوانين مكافحة الاحتكار، وتسريع التخطيط والبناء السكني.
كما تعتمد خطة خمسية لتطوير البنية التحتية وتحسين المواصلات وفرص العمل في المناطق البعيدة عن المركز.
ويُقرن الانضباط المالي بالاستثمار في التكنولوجيا والبحث العلمي والمشاريع الصغيرة والتدريب المهني.
8. إصلاح الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية
خلال مئة يوم، يقدم وزير الصحة برنامجًا ممولًا لتقليص فترات الانتظار، وتعزيز المستشفيات، وتوسيع خدمات الصحة النفسية، مع إعطاء الأولوية للناجين من الحرب والعائلات المتضررة.
ويقدم وزير التربية والتعليم خطة لتحسين ظروف المعلمين والبنية التحتية للمدارس، وتعزيز تعليم العلوم واللغات والتربية المدنية القائمة على القيم الديمقراطية.
وتُعزز برامج الرعاية الاجتماعية المخصصة لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والعائلات التي تعاني الفقر.
9. العلاقة بين الدين والدولة
تلتزم الحكومة بحماية حرية الدين والمعتقد والضمير، مع احترام حقوق الطوائف والمجتمعات الدينية.
وتُشكَّل لجنة وزارية لوضع إصلاحات عملية تتعلق بالزواج والأحوال الشخصية والمواصلات العامة والخدمات الدينية.
ويحتفظ شركاء الائتلاف بمواقفهم الفكرية والسياسية، مع التزامهم بالبحث عن حلول عملية من خلال الحوار والتفاوض.
10. القضية الفلسطينية والدبلوماسية الإقليمية
يلتزم الائتلاف بمنع الضم الأحادي الجانب، ووقف إقامة البؤر الاستيطانية غير المرخصة.
وتعمل الحكومة على إنفاذ القانون في مواجهة اعتداءات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي، وتحسين حرية حركة الفلسطينيين وأوضاعهم الاقتصادية بما ينسجم مع المتطلبات الأمنية، وتعزيز المؤسسات الفلسطينية الخاضعة للمساءلة.
وخلال تسعين يومًا، يقدم وزير الخارجية مبادرة دبلوماسية تشارك فيها الولايات المتحدة والسعودية ومصر والأردن ومجلس السلام وممثلون فلسطينيون.
وتتناول المبادرة التطبيع، والضمانات الأمنية، والتعاون الاقتصادي، والتوصل إلى تسوية سياسية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني عبر المفاوضات.
ويحق لأطراف الائتلاف الاحتفاظ بمواقف مختلفة بشأن إقامة الدولة الفلسطينية، لكنها تلتزم جميعًا بالحفاظ على إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي تفاوضي.
11. القائمة المشتركة: شراكة برلمانية من خارج الحكومة
تبقى القائمة المشتركة خارج الائتلاف الحكومي، من دون المشاركة في مجلس الوزراء.
ويحدد اتفاق مكتوب التزاماتها بشأن دعم تشكيل الحكومة، والتصويت على الثقة، وإقرار الموازنات، والإصلاحات الديمقراطية، والتشريعات الهادفة إلى تحقيق المساواة.
ويحتفظ ممثلو القائمة باستقلالية مواقفهم في القضايا الأمنية والسياسة الخارجية، مع إنشاء آلية تشاور دائمة لمعالجة الخلافات البرلمانية.
12. ضمان تنفيذ الاتفاق والمساءلة عن نتائجه
يُنشأ مجلس لقيادة الائتلاف، برئاسة رئيس الحكومة وبمشاركة ممثلين عن جميع الأحزاب المنضوية فيه، ويعقد اجتماعات أسبوعية.
ويُحدد لكل التزام حكومي الوزير المسؤول عن تنفيذه، والموعد النهائي، والميزانية المخصصة، والنتائج المطلوب تحقيقها وفق معايير قابلة للقياس.
وتُنشر تقارير متابعة التنفيذ كل ثلاثة أشهر. وتُعالج الخلافات وفق آلية متفق عليها لتسوية النزاعات، ويلتزم شركاء الائتلاف بالعمل على استمرار الحكومة طوال الدورة البرلمانية.
حكومة تُحاسَب على أفعالها لا على وعودها
سيكشف الشهر الأول ما إذا كانت هذه الحكومة تمثل تغييرًا حقيقيًا أم مجرد تبديل في الوجوه.
فإذا بقيت البؤر الاستيطانية غير القانونية على حالها، واستمر المتطرفون في ممارسة العنف دون محاسبة، وظلت الأجهزة الأمنية خاضعة للتدخلات السياسية، ولم يُستعد استقلال القضاء، فلن يكون تغيير رئيس الحكومة قد حقق سوى القليل.
لكن لنتخيل، في المقابل، حكومة تطبق القانون على الجميع دون تمييز، وتعيد المهنية والاستقلالية إلى مؤسسات الدولة، وتحمي الحقوق الديمقراطية، وتجعل المواطنين العرب شركاء حقيقيين في الحكم، وتحقق تحسينات ملموسة في الحياة اليومية.
سيختلف أعضاؤها، وسيتجادلون، وسيضطرون إلى تقديم تنازلات متبادلة. لكن الأهم أن يحكموا، وأن يتحملوا المسؤولية عن قراراتهم ونتائجها.
إسرائيل لا تحتاج إلى اتفاق ائتلافي جديد حافل بالوعود. إنها تحتاج إلى قرارات واضحة، ومواعيد ملزمة، ومحاسبة فعلية.
إن استبدال نتنياهو وحده لا يكفي. ما تحتاج إليه إسرائيل هو خطة عملية واضحة لإصلاح ما أصاب البلاد، وإعادة توجيهها نحو مستقبل مختلف.



