رسالة مفتوحة إلى الأطر القيادية الثلاثة (اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الاستشاري) لحركة فتح: حماية المواطن وصون المشروع الوطني أولوية المرحلة
رسالة مفتوحة إلى الأطر القيادية الثلاثة (اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الاستشاري) لحركة فتح: حماية المواطن وصون المشروع الوطني أولوية المرحلة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
في ظل المنعطفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وما يواجهه شعبنا من عدوان وتهجير قسري واستيطان وإجراءات تضييق وحصار اقتصادي، تبرز الحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تتجاوز الحسابات التنظيمية والاعتبارات الإدارية، وتعيد ترتيب الأولويات على قاعدة أن الإنسان الفلسطيني وكرامته وحقوقه وصموده هي جوهر المشروع الوطني وهدف النضال الفلسطيني.
ومن هذا المنطلق، نتوجه برسالة مفتوحة إلى الأطر القيادية الثلاثة للحركة، وهي اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الاستشاري لحركة فتح، باعتبارها من أهم المرجعيات القيادية والتنظيمية للحركة، للمطالبة بموقف وطني مسؤول يتناسب مع حجم التحديات، ويستجيب لمعاناة المواطنين وتطلعاتهم، ويعيد الاعتبار لدور الحركة التاريخي في قيادة المشروع الوطني وحماية مصالح الشعب الفلسطيني.
إن الواقع الراهن لا يحتمل الاكتفاء بالاجتماعات والبيانات والتصريحات، فالمواطن الفلسطيني يواجه ظروفاً معيشية واقتصادية غير مسبوقة: اقتصاد يتراجع، ومحال تجارية ومنشآت اقتصادية تغلق أبوابها، وبطالة تتفاقم، وقدرة شرائية تتآكل، وأسر تتزايد أعباؤها المالية، وموظفون يعانون من خصومات الرواتب وتأخر صرف مستحقاتهم، فيما تتراجع الخدمات الصحية والتعليمية والمرافق العامة.
وتزداد المعاناة مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتأخر التحويلات العلاجية، والضغوط التي تواجه القطاع الصحي، إلى جانب ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات الأساسية. وفي المقابل، تتسع دائرة الفقر والعوز، وتتزايد المخاوف من انعكاسات البطالة والضائقة الاقتصادية على النسيج الاجتماعي، بما في ذلك ارتفاع معدلات الجريمة والتوتر المجتمعي.
ولا يمكن قراءة هذا الواقع بمعزل عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته القائمة على إغلاق الطرق والبوابات العسكرية، ومحاصرة المدن والقرى، وتعطيل حركة التجارة والعمل، ومصادرة الأراضي، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، إلى جانب التهجير القسري الذي يهدد التجمعات السكانية الفلسطينية، ولا سيما في الأغوار ومناطق الضفة الغربية والمخيمات. وهي ممارسات تستهدف إضعاف مقومات الصمود، وفرض وقائع جغرافية وديموغرافية تمس مستقبل الوجود الفلسطيني ومشروع الدولة.
لكن خطورة التحديات الخارجية تفرض بالضرورة تعزيز الجبهة الداخلية، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية، وتطوير الأداء الحكومي والسياسي، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التعامل مع نتائجها بصورة مؤقتة.
حركة فتح ومسؤولية اللحظة التاريخية
إن حركة فتح، بما تمثله من إرث نضالي وتاريخ وطني ومكانة في النظام السياسي الفلسطيني، مطالبة اليوم باستعادة دورها الريادي، وأن تكون حاضنة وطنية لجماهير الشعب الفلسطيني، وصوتاً معبراً عن معاناتهم وحقوقهم وتطلعاتهم.
لقد انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة من أجل الحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية، وقدمت الحركة وفصائل العمل الوطني تضحيات جسيمة من شهداء وأسرى وجرحى، ولم يكن الهدف من تلك التضحيات استبدال واقع الاحتلال بواقع من الأعباء المعيشية، أو تراجع الحقوق والحريات، أو غياب المساءلة والمشاركة الشعبية.
إن الحفاظ على إرث الحركة لا يكون بالدفاع عن السياسات القائمة بمعزل عن نتائجها، وإنما بمراجعتها وتصويبها كلما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك. فالقيادة المسؤولة هي التي تستمع إلى قواعدها وجماهيرها، وتعترف بمواطن الخلل، وتبادر إلى المعالجة، وتضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات التنظيمية والشخصية.
ومن هنا، فإن المطلوب عقد جلسة استثنائية مشتركة للجنة المركزية والمجلس الثوري، تُخصَّص لمناقشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والخروج بموقف واضح يتضمن برنامجاً عملياً للإصلاح والإنقاذ، وجدولاً زمنياً محدداً للتنفيذ والمتابعة والمساءلة.
الحكومة بين إدارة الأزمة ومتطلبات الإنقاذ الوطني
إن الأزمة المالية والاقتصادية لم تعد تحتمل الحلول الجزئية أو الوعود المؤجلة، ولا يمكن أن تستمر معالجتها من خلال تحميل المواطن مزيداً من الأعباء، أو الاكتفاء بمساعدات محدودة وفتات دعم لا يغيّر من واقع الفقر والبطالة وتراجع مستوى المعيشة.
المطلوب حكومة تمتلك برنامجاً وطنياً واقتصادياً واضحاً، وكفاءة إدارية ومهنية، وقدرة على اتخاذ القرارات، وتعمل وفق أولويات محددة، في مقدمتها حماية الفئات الأكثر تضرراً، وتأمين الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم القطاعات الإنتاجية والتجارية، وحماية حقوق الموظفين، وتوفير فرص العمل، ومكافحة الفقر والبطالة.
وإذا ثبت أن الحكومة القائمة غير قادرة على تنفيذ متطلبات هذه المرحلة، أو أن أدواتها وبرامجها لم تعد كافية لمواجهة الأزمة، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي دراسة تشكيل حكومة جديدة من الكفاءات الوطنية والمهنية، ذات برنامج إنقاذ محدد وصلاحيات واضحة والتزام سياسي واجتماعي بمصالح المواطنين، تخضع للمساءلة والرقابة، وتعمل ضمن المرجعيات الوطنية والدستورية والقانونية الفلسطينية.
إن تغيير الحكومة ليس هدفاً بحد ذاته، ولا ينبغي أن يكون مدخلاً لتجاذبات سياسية أو محاصصة تنظيمية، وإنما يجب أن يكون خياراً مؤسسياً عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، بما يضمن استمرارية المؤسسات ويحافظ على وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
برنامج وطني لمواجهة التحديات
إن المرحلة تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة ترتكز على مجموعة من الأولويات:
أولاً، إطلاق خطة إنقاذ اقتصادي واجتماعي عاجلة، تتضمن حماية القدرة الشرائية للمواطن، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوفير برامج تشغيل، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.
ثانياً، ضمان الحد الأدنى من الخدمات الصحية والتعليمية، وتأمين الأدوية والتحويلات الطبية، وحماية حقوق المرضى، وعدم جعل الخدمات الأساسية رهينة للأزمة المالية.
ثالثاً، وضع خطة وطنية لمواجهة التهجير القسري والاستيطان واعتداءات المستوطنين وإغلاق الطرق والبوابات، وتعزيز صمود المواطنين في المناطق المهددة، ولا سيما التجمعات البدوية والأغوار والمخيمات والمناطق المصنفة «ج».
رابعاً، تعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وتفعيل الرقابة والمساءلة، وحماية الحريات العامة وحق المواطنين في التعبير والتجمع السلمي.
خامساً، إعادة الاعتبار للشراكة الوطنية، وتوحيد الصف الفلسطيني، وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وتوسيع المشاركة الشعبية والسياسية، والتمهيد لإجراء الانتخابات العامة وفق التوافق الوطني والأطر القانونية، بما يعيد تجديد الشرعيات ويعزز الثقة بالمؤسسات.
سادساً، وضع استراتيجية وطنية للتحرك العربي والدولي، تستند إلى القانون الدولي والقرارات الأممية، وتطالب بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ووقف الاستيطان والتهجير، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
المجتمع الدولي أمام مسؤولياته
إن المجتمع الدولي لا يستطيع الاستمرار في التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد أزمة إنسانية تحتاج إلى مساعدات إغاثية متقطعة، بينما تتواصل الأسباب السياسية والقانونية والاقتصادية التي تنتج هذه الأزمة.
فالمطلوب ليس تقديم مساعدات مالية محدودة لا تقدم ولا تؤخر في معالجة الاختلالات البنيوية، وإنما تحمّل المسؤولية السياسية والقانونية والإنسانية تجاه شعب يعيش تحت الاحتلال، والعمل على وقف إجراءات الضم والاستيطان والتهجير، وضمان حرية الحركة والعمل والتجارة، والضغط للإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، وتوفير الدعم المالي والاقتصادي المستدام للمؤسسات الفلسطينية.
كما تقع على الدول والهيئات الدولية مسؤولية الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، من خلال ضمان احترام القانون الدولي، وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني، وعدم تركه وحيداً في مواجهة سياسات تقوّض مقومات حياته ومستقبله.
المسؤولية الوطنية لا تحتمل التأجيل
الإخوة في اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الاستشاري لحركة فتح،
إن هذه الرسالة ليست موقفاً ضد أحد، ولا تستهدف شخصاً أو موقعاً تنظيمياً، وإنما تنطلق من الحرص على حركة فتح ومكانتها، وعلى المشروع الوطني الفلسطيني ومستقبل أجياله.
إن المواطن الفلسطيني يريد أن يرى قيادة تشعر بمعاناته، وحكومة تستجيب لاحتياجاته، ومؤسسات تحمي حقوقه، وبرنامجاً وطنياً يفتح أمامه أفقاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. ولا يكفي أن نطالبه بالصمود فيما تتراجع مقومات صموده، أو أن نعده بالحلول بينما تتفاقم الأزمات في حياته اليومية.
إن حماية المشروع الوطني تبدأ بحماية الإنسان الفلسطيني، وتعزيز صموده في أرضه، وصون كرامته، وتوفير متطلبات الحياة الكريمة له ولأسرته. ولا يمكن مواجهة مخططات التهجير والاستيطان وإضعاف الوجود الفلسطيني من دون جبهة داخلية متماسكة، وقيادة مسؤولة، ومؤسسات فاعلة، واقتصاد قادر على الاستمرار.
إننا نطالب اللجنة المركزية والمجلس الثوري بتحمل مسؤولياتهما التاريخية، والدعوة إلى مراجعة سياسية وتنظيمية واقتصادية شاملة، وإطلاق برنامج إنقاذ وطني بجدول زمني واضح، لا يكتفي بالوعود أو البيانات، بل يُقاس بنتائجه الملموسة على حياة المواطنين.
فالشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى قرارات شجاعة؛ ولا يحتاج إلى إدارة الفقر والأزمة، بل إلى سياسات تنهي أسبابهما؛ ولا يحتاج إلى مساعدات مؤقتة تحفظ الحد الأدنى من البقاء، بل إلى مشروع وطني يحفظ الكرامة ويؤسس لمستقبل أفضل.
إن التاريخ النضالي لحركة فتح يضعها اليوم أمام مسؤولية استثنائية: إما أن تبادر إلى تجديد دورها وتصويب المسار واستعادة ثقة الجماهير، وإما أن تتسع الفجوة بين الحركة والشارع، بما ينعكس سلباً على مجمل المشروع الوطني.
فلسطين أكبر من الجميع، وكرامة المواطن ليست تفصيلاً في الحسابات السياسية، وصون الإنسان الفلسطيني هو المدخل الحقيقي لصون الوطن وحماية الدولة والمستقبل.



