من الشطب إلى التفكيك.. هل يريد اليمين الإسرائيلي إعدام الصوت العربي سياسياً؟

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

سبتمبر 14, 2026 - 14:07
من الشطب إلى التفكيك.. هل يريد اليمين الإسرائيلي إعدام الصوت العربي سياسياً؟

من الشطب إلى التفكيك.. هل يريد اليمين الإسرائيلي إعدام الصوت العربي سياسياً؟
بقلم: المحامي علي أبوحبلة

مع اقتراب انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، تتجاوز المواجهة حول القوائم العربية حدود المنافسة الانتخابية التقليدية، لتلامس سؤالاً أكثر خطورة: هل يجري التعامل مع الصوت العربي باعتباره جزءاً أصيلاً من العملية الديمقراطية، أم باعتباره كتلة انتخابية ينبغي تطويقها وإضعاف قدرتها على التأثير؟

إن تصاعد المطالب بشطب «القائمة المشتركة» و«القائمة العربية الموحدة» برئاسة منصور عباس، بالتزامن مع محاولات إعادة إنتاج الانقسام داخل الساحة السياسية العربية، يستدعي التوقف أمام مسار قد تكون نتائجه السياسية أخطر من مجرد خسارة عدد من المقاعد.

فـالشطب والتفكيك، وإن اختلفا في الوسيلة، قد يلتقيان في النتيجة: إضعاف التمثيل السياسي العربي وتقليص قدرته على التأثير في القرار الإسرائيلي.

القانون لا يجوز أن يتحول إلى أداة إقصاء

المسألة هنا ليست دفاعاً عن حزب أو قائمة بعينها، وإنما عن مبدأ ديمقراطي وقانوني أساسي: حق المواطنين في المشاركة السياسية والانتخاب والترشح لا يجوز تقييده إلا وفق شروط قانونية واضحة وأدلة محددة، وبما يخضع للرقابة القضائية.

فالقانون الإسرائيلي يحدد حالات استثنائية يمكن فيها منع قائمة أو مرشح من خوض الانتخابات، ومن بينها إنكار وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، والتحريض على العنصرية، ودعم الكفاح المسلح ضد إسرائيل وفق الشروط القانونية ذات الصلة.

لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه النصوص إلى ساحة للمزايدة السياسية، أو عندما تصبح تهمة «نزع الشرعية» أو «دعم الإرهاب» عنواناً عاماً لإقصاء الخصوم دون إثبات قانوني يستوفي المعايير القضائية.

وهنا تبرز أهمية المحكمة العليا؛ إذ لا ينبغي أن تكون لجنة الانتخابات المركزية، بما لها من طبيعة سياسية بحكم تشكيلها، هي الكلمة الأخيرة في قضية تمس جوهر الحق في المشاركة الديمقراطية.

الديمقراطية الحقيقية لا تُختبر عندما يكون الخصم السياسي مقبولاً، وإنما عندما يكون صوته مزعجاً ومختلفاً.

اليمين ومعركة تفكيك القوة العربية

لا يمكن تجاهل البعد السياسي لهذه المعركة. فاليمين الإسرائيلي يدرك أن قوة التمثيل العربي لا تقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما بقدرته على التأثير في موازين القوى داخل الكنيست، والمشاركة في لجانه، والتفاوض على الميزانيات والحقوق المدنية، والتأثير في معادلات تشكيل الحكومات.

ومن هنا، فإن تفتيت الأصوات العربية إلى قوائم متنافسة قد يكون أكثر فاعلية من شطبها بالكامل؛ لأن الشطب الصريح يخلق قضية سياسية وقانونية واضحة، بينما يؤدي الانقسام الانتخابي إلى إضعاف التمثيل من الداخل.

وهنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: ليس مطلوباً إلغاء التعددية العربية، بل منع تحويل التعددية إلى أداة لتبديد القوة الانتخابية.

المسؤولية أيضاً على القوى العربية

لكن الإنصاف السياسي يقتضي القول إن القوى العربية تتحمل جزءاً من المسؤولية. فالخلاف بين التيارات السياسية حق مشروع، لكن تحويله إلى صراع يستنزف الناخب ويعمق العزوف قد يؤدي إلى نتيجة تخدم عملياً القوى الأكثر قدرة على التنظيم والحشد.

ولا ينبغي أن يكون الخلاف بين النهج الوطني والنهج البراغماتي سبباً لإهدار القاسم المشترك.

يمكن للقائمة المشتركة والقائمة الموحدة وسائر القوى العربية أن تختلف في الرؤية والبرنامج، لكن يمكنها الاتفاق على الحد الأدنى: حماية التمثيل العربي، رفض الإقصاء، مواجهة العنصرية والتمييز، رفع نسبة المشاركة، والدفاع عن الحقوق المدنية والوطنية للمواطنين العرب.

فالسياسة ليست فن تسجيل الانتصارات داخل البيت الواحد، وإنما فن تحويل الاختلاف إلى قوة تفاوضية.

الاختبار الحقيقي للديمقراطية

إن أخطر ما يمكن أن تنتجه هذه المعركة هو إقناع المواطن العربي بأن صوته لا يغير شيئاً. فإذا نجحت حملات الشطب والاستقطاب والانقسام في دفع الناخب إلى العزوف، فإن النتيجة ستكون إضعاف التمثيل العربي دون الحاجة إلى شطب قائمة واحدة.

ولهذا فإن المعركة ليست على مقاعد الكنيست فقط، وإنما على معنى المواطنة والمشاركة والمساواة أمام القانون.

فإذا كانت الديمقراطية الإسرائيلية تعتبر نفسها ديمقراطية مكتملة، فإن اختبارها الحقيقي يكمن في قدرتها على حماية حق الأقلية العربية في التنظيم والترشح والتصويت والتأثير، طالما التزمت القوائم والمرشحون بالقانون.

أما إذا أصبح القانون وسيلة لإقصاء الصوت السياسي المختلف، أو أصبحت الانتخابات وسيلة لتضييق المجال أمام تمثيل فئة سكانية بأكملها، فإن السؤال لن يعود: من فاز في الانتخابات؟ بل سيصبح السؤال الأعمق:

هل نحن أمام ديمقراطية تتسع للاختلاف، أم أمام نظام انتخابي يريد من العرب أن يصوتوا، لكنه لا يريد لصوتهم أن يصبح قوة سياسية؟

وهنا تحديداً تكمن خطورة الانتقال من الشطب إلى التفكيك؛ لأن إعدام الصوت العربي سياسياً لا يحتاج دائماً إلى منعه من الوصول إلى صندوق الاقتراع، بل قد يكفي تفتيته حتى يفقد قدرته على التأثير.

المطلوب فلسطينياً وعربياً وديمقراطياً ليس فرض الوحدة على القوى العربية، وإنما الدفاع عن حقها في التعدد، وحق ناخبيها في أن تتحول أصواتهم إلى تمثيل سياسي حقيقي وفاعل.