طولكرم في مرمى «الحزام الأمني».. عندما تتحول الإخطارات إلى وقائع على الأرض
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
طولكرم في مرمى «الحزام الأمني».. عندما تتحول الإخطارات إلى وقائع على الأرض
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لم تعد الخرائط الإسرائيلية المتداولة بشأن الأراضي المحيطة بمنطقة طولكرم مجرد وثائق فنية صامتة؛ فهي، عند قراءتها إلى جانب ما جرى على الأرض خلال عامي 2025 و2026 من إخطارات ومصادرات وهدم ووضع يد وقيود على أصحاب الأراضي، تطرح سؤالاً سياسياً وقانونياً بالغ الخطورة: هل يجري توظيف عنوان «أمن المستوطنات» لإقامة حزام جغرافي دائم يضيّق المجال الحيوي الفلسطيني ويمهد لمزيد من التوسع الاستيطاني؟
الخريطة المرفقة تستند، بحسب ظاهرها، إلى أوامر عسكرية إسرائيلية سابقة، من بينها أمر عام 2009، وإلى أمر أحدث يحمل الرقم 33/25 لعام 2025، وتُظهر نطاقات محددة جرى تمييزها باللون الأحمر تحت مسمى أمني. وهذه الدلالة تكتسب أهمية خاصة عندما تقارن بالمعطيات الميدانية التي شهدتها الضفة الغربية خلال 2025 و2026، من توزيع إخطارات لأصحاب الأراضي والمنشآت، وأوامر هدم أو إخلاء، وإخطارات مصادرة ووضع يد، بذريعة الاعتبارات الأمنية وحماية المستوطنات.
ولا يعني ذلك، من الناحية المهنية، أن كل خريطة أو إخطار يمثل تلقائياً قراراً بالضم؛ لكن تراكم الإجراءات وتداخلها مكانياً وزمنياً يستوجب قراءة استراتيجية تتجاوز كل إجراء منفرد.
فالخطر يبدأ عندما تصبح الإخطارات المؤقتة واقعاً مستمراً، وعندما يؤدي منع أصحاب الأراضي من الوصول إلى أراضيهم إلى تعطيل استغلالها، ثم تترافق القيود مع طرق أمنية أو مناطق عازلة أو حماية لمستوطنات قائمة أو توسعات جديدة. عندها يتحول «الإجراء الأمني» تدريجياً إلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا.
وتزداد حساسية منطقة طولكرم بسبب موقعها الاستراتيجي واتصالها بالسهل الساحلي وقربها من الخط الأخضر، بما يجعل أي تغيير في محيطها ذا تأثير مباشر على التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية وعلى مستقبل الأراضي الزراعية والتوسع العمراني.
وما جرى خلال الفترة الأخيرة في الضفة الغربية يعزز ضرورة هذا التدقيق؛ فقد وثقت مؤسسات فلسطينية ودولية تصاعداً في المصادرات والهدم والتهجير والقيود على الحركة، فيما سجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 23,827 اعتداءً خلال عام 2025. كما تحدثت تقارير حديثة عن تصاعد إجراءات الاستيلاء على الأراضي باعتبارها جزءاً من مسار أوسع نحو الضم الفعلي.
ومن منظور القانون الدولي، فإن صفة «الأمن» لا تمنح دولة الاحتلال حق اكتساب الأرض أو تغيير وضعها القانوني بصورة دائمة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 أن سياسات الاستيطان والبنية التحتية المرتبطة بها تسهم في تكريس السيطرة والضم، وتمس حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
لذلك فإن المطلوب فلسطينياً ليس الاكتفاء بالاحتجاج السياسي، بل تحويل الخرائط والإخطارات إلى ملف قانوني متكامل: تحديد الإحداثيات ومساحات الأراضي وأسماء أصحابها، وتصنيف طبيعة كل إخطار، ومقارنة خرائط 2009 و2025 و2026، ورصد الطرق والمستوطنات والمناطق العسكرية، وتوثيق ما إذا كانت الإجراءات مؤقتة أم أصبحت دائمة.
إن المعركة الحقيقية على أرض طولكرم ليست فقط على دونم هنا أو قطعة هناك؛ إنها معركة على الجغرافيا الفلسطينية ومنع تحويل الأمن إلى غطاء لفرض وقائع استيطانية جديدة.
فإذا كان «الحزام الأمني» يبدأ بإخطار، ثم يتوسع بالمصادرة، ويُكرَّس بالهدم ووضع اليد والطرق، فإن السؤال الذي يجب أن يواجه المجتمع الدولي هو: هل نحن أمام تدبير أمني مؤقت، أم أمام هندسة جغرافية صامتة تمهد لضم الأرض وابتلاعها؟
وهنا تكمن مسؤولية التوثيق والمساءلة قبل أن تتحول الخطوط الحمراء على الخرائط إلى حدود أمر واقع على الأرض
.



