جامعة النجاح ووزارة الأشغال.. شراكة غير مسبوقة بين المعرفة وصناعة القرار
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
جامعة النجاح ووزارة الأشغال.. شراكة غير مسبوقة بين المعرفة وصناعة القرار
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لا ينبغي النظر إلى زيارة وزير الأشغال العامة والإسكان المهندس عاهد بسيسو إلى جامعة النجاح الوطنية وتوقيع اتفاقية التعاون بين الوزارة والجامعة باعتبارها مناسبة بروتوكولية عابرة، بل باعتبارها خطوة نوعية وغير مسبوقة في تكريس الشراكة بين مؤسسات التعليم العالي ومؤسسات الدولة، وربط المعرفة الأكاديمية بالقرار التنفيذي والمشروع التنموي الفلسطيني.
وتزداد أهمية هذه الخطوة بالنظر إلى طبيعة المجالات التي شملتها الاتفاقية، من التخطيط والتصميم والتنظيم والتنفيذ والإشراف على مشاريع البنية التحتية والطرق والإسكان والمباني الحكومية، وصولاً إلى البحث العلمي والتدريب وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهي مجالات لا يمكن تطويرها بالاعتماد على العمل الإداري وحده، وإنما تحتاج إلى قاعدة علمية وهندسية متخصصة، وإلى توظيف الخبرات الوطنية في خدمة الأولويات العامة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به دولة الدكتور رامي حمد الله، نائب رئيس مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية ورئيس مجلس أمناء مستشفى النجاح الوطني الجامعي، في دعم الجامعة وتعزيز حضورها العلمي والمجتمعي وربط إمكاناتها الأكاديمية باحتياجات المجتمع ومؤسسات الدولة. فوجود هذه الرؤية لدى قيادة الجامعة يمكن أن يحول الجامعة من مؤسسة تعليمية وبحثية إلى شريك فاعل في صناعة الحلول والسياسات العامة.
وتكتسب الاتفاقية بعداً إضافياً من كونها تفتح الباب أمام الاستفادة من الخبرات الهندسية والعلمية المتراكمة في الجامعة، ولا سيما في علوم الأرض وهندسة الزلازل والتخطيط الحضري والإسكاني وتقنيات البناء والتشييد. وهذه الخبرات يمكن أن تسهم في رفع مستوى السلامة والجودة والاستدامة في المشاريع الحكومية، وتقليل الهدر والكلفة، وتحسين القدرة على مواجهة المخاطر المستقبلية.
ولا يقل أهمية عن ذلك توفير فرص تدريب عملية للطلبة، بما يربط التعليم الجامعي بسوق العمل والمشاريع الوطنية، ويمنح الطلبة فرصة اكتساب الخبرة الميدانية، فيما تستفيد الوزارة من الطاقات الشابة والبحثية. كما أن دعم الأبحاث العلمية المشتركة يمكن أن ينقل البحث الأكاديمي من نطاق الدراسات النظرية إلى إنتاج حلول عملية قابلة للتطبيق.
ومن هنا، فإن الإشادة بموقف وزير الأشغال العامة والإسكان المهندس عاهد بسيسو ليست مجاملة، وإنما تقدير لخطوة تحمل رؤية مؤسسية تقوم على الانفتاح على الجامعات والاستفادة من الكفاءات الوطنية بدلاً من حصر العمل الحكومي في الأطر التقليدية. فالوزارة التي تستعين بالجامعة في التخطيط والتطوير والبحث والتدريب إنما تعزز أدواتها في بناء قرار أكثر دقة وكفاءة.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التوقيع؛ فنجاح الاتفاقية يتطلب ترجمتها إلى برامج تنفيذية محددة، ولجان مشتركة فاعلة، ومشاريع بحثية وتدريبية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ومراجعة دورية للنتائج.
إن هذه الاتفاقية يمكن أن تؤسس لنموذج فلسطيني جديد في العلاقة بين الجامعة والدولة؛ نموذج لا تكون فيه الجامعة مجرد مؤسسة لتخريج الكفاءات، ولا تكون الوزارة مجرد جهاز تنفيذي، وإنما يعمل الطرفان ضمن منظومة متكاملة تجعل العلم والبحث والخبرة في خدمة التنمية وصناعة القرار.
وفي ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، فإن الاستثمار في الكفاءة الوطنية والمعرفة العلمية ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية. ومن هنا يمكن القول إن ما جرى في جامعة النجاح يمثل بداية لمسار ينبغي البناء عليه وتعميمه على مختلف مؤسسات التعليم العالي والوزارات الفلسطينية، حتى تصبح الجامعات جزءاً أصيلاً من عملية بناء الدولة وتعزيز قدرتها على التخطيط والإعمار والتنمية.
فالرهان الحقيقي ليس على توقيع الاتفاقيات، وإنما على تحويلها إلى إنجازات ملموسة؛ وحين تلتقي إرادة الدولة مع عقل الجامعة وخبرة المهندس والباحث، يصبح بالإمكان تحويل التحديات إلى فرص، والمعرفة إلى مشاريع، والمشاريع إلى تنمية، والتنمية إلى لبنة حقيقية في بناء الدولة الفلسطينية.



