" زكريا الزبيدي.. من سجن الاحتلال إلى محاكم التخوين" 

بقلم: فراس الطيراوي – شيكاغو

سبتمبر 13, 2026 - 09:29
" زكريا الزبيدي.. من سجن الاحتلال إلى محاكم التخوين" 

" زكريا الزبيدي.. من سجن الاحتلال إلى محاكم التخوين" 
بقلم: فراس الطيراوي – شيكاغو

ثمة فارق كبير بين أن تختلف مع إنسان في موقف سياسي، وبين أن تحاول محو تاريخه لأن رأيه لم يعجبك. وثمة فارق أكبر بين النقد المشروع وبين أن تنصب نفسك قاضيا على وطنية الآخرين، تمنح شهادات الانتماء لمن يوافقك وتسحبها ممن يختلف معك.

وهذا بعض ما نشهده اليوم في الحملة التي تستهدف زكريا الزبيدي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح.

لنقلها بوضوح: زكريا ليس فوق النقد، ولا ينبغي لأي شخصية عامة أن تكون كذلك. يمكن الاختلاف معه في السياسة والموقف والتقدير، ويمكن الرد عليه ومساءلته عن كل كلمة يقولها.

لكن أين ينتهي النقد وأين يبدأ الاغتيال المعنوي؟

ومتى أصبح تصريح أو منشور أقوى من تاريخ كتب بالدم والسجن والفقد؟

قبل أن يصبح زكريا عضوا في اللجنة المركزية، وقبل المواقع والألقاب والاجتماعات السياسية، كان فدائيا ومقاتلا شرسا قارع الاحتلال من أجل حرية شعبه. لم يدخل القضية من باب المنصب، ولم يتعرف إلى الاحتلال من خلف مكتب. عرف المطاردة والمواجهة والاعتقال، وعاش سنوات من حياته في قلب الصراع.

تغير موقعه وأدواته، لكن الهدف الذي ناضل من أجله بقي واحدا: حرية شعبه والخلاص من الاحتلال.

ومن يريد اليوم أن يختلف معه، فليختلف. لكن قبل أن يطعن في وطنيته، عليه أن يتذكر عمن يتحدث.

يتحدث عن ابن مخيم جنين، عن رجل والدته سميرة شهيدة، وأشقاء له شهداء، وعن عائلة دفعت من دمها ثمنا فادحا، قبل أن يأتيه الفقد الأقسى باستشهاد ابنه محمد، فلذة كبده.

لا نذكر ذلك لاستدرار العاطفة، ولا لنستخدم دم الشهداء حصانة سياسية للرجل. التضحية لا تجعل الإنسان معصوما، والتاريخ النضالي لا يعني أن صاحبه دائما على صواب.

لكن هناك فارقا أخلاقيا شاسعا بين أن تقول لرجل: أخطأت، وبين أن تقول له: لا وطنية لك.

وزكريا لم يعرف الاحتلال من خلال خسارات عائلته فقط. فقد عرف السجن والقيد بنفسه. وكان واحدا من الأسرى الستة الذين انتزعوا حريتهم من سجن جلبوع في سبتمبر 2021، في عملية بقيت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية، قبل أن تعيد إسرائيل اعتقالهم.

ثم عاد زكريا إلى الأسر، إلى أن خرج في صفقة التبادل الأخيرة.

هذه الوقائع لا تذكر لصناعة أسطورة حول الرجل، بل لأن الذاكرة لا يجوز أن تصبح انتقائية وفقا لموقف سياسي عابر.

لا يمكن أن نصفق للإنسان حين يكون خلف القضبان، ثم نطالبه بالصمت عندما يصبح حرا.

ولا يمكن أن نحتفي بمحاولته كسر جدار السجن، ثم نبني حول رأيه سجنا آخر.

هنا تكمن المشكلة التي تتجاوز زكريا نفسه.

لقد أصبحت وسائل التواصل عند البعض محاكم سياسية بلا قضاة ولا شهود ولا حق للدفاع. محاكم تبدأ بمنشور وقد تنتهي بحكم بالخيانة. لا يهم تاريخ الإنسان، ولا ماذا قدم، ولا ماذا فقد. يكفي أحيانا أن يقول كلمة خارج السرب حتى تبدأ عملية التشهير.

وهذا أخطر مما نتصور.

لأن الشعب الذي يخشى أبناؤه التعبير عن آرائهم لن يبني حياة سياسية حقيقية. والحركة الوطنية التي لا تتسع للاختلاف تتحول مع الوقت إلى جزر مغلقة، كل واحدة منها تعتقد أنها تملك الحقيقة والوطن معا.

من قال إن الوطنية رأي واحد؟

ومن أعطى أحدا حق احتكار فلسطين؟

ومن قرر أن تاريخ الإنسان يسقط لحظة اختلافه معنا؟

زكريا الزبيدي قد يخطئ وقد يصيب. قد نتفق معه اليوم ونختلف معه غدا. القضية ليست أن نضعه فوق المساءلة، بل أن نرفض تحويل المساءلة إلى تخوين.

فإذا كان رجل فقد والدته وأشقاءه وابنه شهداء، وكان فدائيا ومقاتلا في مواجهة الاحتلال، وعرف المطاردة والاعتقال والسجن، وكان واحدا من ستة أسرى انتزعوا حريتهم من جلبوع قبل إعادة اعتقالهم، إذا كان هذا الرجل مطالبا اليوم بإثبات وطنيته أمام حسابات على وسائل التواصل، فمن يستطيع اجتياز امتحان الوطنية الجديد؟

وبأي ميزان؟

وبأي حق؟

ناقشوا زكريا.

عارضوه.

وانتقدوا كلامه بقسوة إن استحق النقد.

لكن لا تحولوا الاختلاف إلى مقصلة، ولا تجعلوا التخوين بديلا عن الحجة.

ليس الدفاع هنا عن زكريا وحده، بل عن حق الفلسطيني في أن يختلف مع الفلسطيني دون أن يخونه، وعن حق الأسير المحرر في أن يخرج من سجنه إنسانا حرا، لا أن ينتقل من قضبان الزنزانة إلى قضبان الرأي الواحد.

لقد خرج زكريا من سجن الاحتلال.

فلا تبنوا له سجنا آخر من التخوين.

يمكنكم الاختلاف معه في السياسة ورفض رأيه ومحاسبة موقفه بالكلمة والحجة.

لكن التاريخ لا يمحى بمنشور.

والدم لا تلغيه تغريدة.

والسجن لا تمحوه شتيمة.

ومن دفع من أمه وإخوته وابنه، ومن حريته وسنوات عمره، كل هذا الثمن، لا يحتاج في كل مرة يختلف فيها مع أحد إلى الوقوف في قفص الاتهام كي يثبت أنه وطني.

ويبقى السؤال الذي يتجاوز زكريا وكل الأسماء:

متى أصبح الفلسطيني مطالبا بإثبات فلسطينيته لفلسطيني آخر؟

فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من محاكم التخوين. تحتاج إلى مساحة تتسع للاختلاف، وإلى ذاكرة لا تمحو الرجال عند أول خلاف، وإلى شجاعة تعترف بأن من حقنا أن نختلف في الطريق دون أن نختلف على حق شعبنا في الحرية.

أما زكريا الزبيدي، فقد قدم من سيرته ومن عائلته ومن حريته ما يكفي لأن نختلف معه باحترام.
لا أن نحاكم وطنيته.

*ناشط سياسي وكاتب عربي فلسطيني امين سر الشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام في امريكا *