من هرمز إلى باب المندب: أوراق القوة تتسع وكلفة الحرب تتصاعد
من هرمز إلى باب المندب:
أوراق القوة تتسع وكلفة الحرب تتصاعد
بروفيسور عوض سليمية
باحث في العلاقات الدولية
تدخل الحرب الامريكية الايرانية هذه الايام فصلاً جديداً من فصولها المستمرة منذ نهاية شباط/فبراير، بعد ان تمكن الحوثيون الموالون لطهران من بسط سيطرتهم بالقوة العسكرية على الساحل الغربي المحاذي للبحر الاحمر؛ وبالتالي احكام السيطرة على شريان حيوي آخر يتحرك بداخله ما نسبته 12-15% من حجم التجارية العالمية بين آسيا واوروبا، بعد فرض السيطرة على عدة جزر واقعة في قلب المضيق، بما فيها جزيرة ميون الاستراتيجية. من الان فصاعداً؛ أصبح باب المندب ورقة ضغط اضافية مفاتيحه بيد الحرس الثوري الى جانب نصف مفاتيح هرمز. هذا التطور المباشر يحمل رسالة جديدة من طهران الى بريد واشنطن مفادها؛ ان طهران تملك مرآة قادرة على عكس سياسات ترامب نفسها؛ وهنا ورقة الحصار الاقتصادي.
بينما يبتعد الطرفان عن معالجة الاسباب الكامنة وراء اندلاع الحرب تدريجياً، تزداد التعقيدات مع غياب خطة خروج الى جانب عدم القدرة على حسم الموقف من ايِ من الطرفين. فالضربات الأمريكية المتواصلة وشبه المتواصلة منذ فبراير لم تفضي حتى الآن الى النتيجة السياسية التي خططت لها اسرائيل ونفذتها واشنطن، بالمقابل، فإن الرد الإيراني، رغم اتساع مداه وتحوله التدريجي إلى مستويات أكثر تشابكاً، لم ينجح في دفع واشنطن لقبول مطالب طهران. على هذا النحو، ضاعت أهداف الحرب الأصلية بين ثنايا الوقائع الجديدة التي أنتجتها الحرب نفسها؛ في الوقت الذي يقف فيه الوسيط الباكستاني في المنتصف ينظر الى جثة وثيقة اسلام اباد وهي تحترق.
الوقائع على الارض لا تشير إلى نهاية مسار الحرب، وإنما انتقاله إلى مرحلة جديدة. ويبدو ان جدار الحصار الاقتصادي الذي وصفه ترامب "بالجدار الفولاذي" يدفع قادة طهران للتفكير بشكل متزايد لتغيير قواعد المواجهة مع واشنطن. ولكن في مناطق اخرى؛ لا تقل تأثيراً عن مضيق هرمز. هذه المنطقة تمنحهم مساحة اوسع للرد على كل تصعيد أمريكي. بعد ان رسخت قاعدة اساسية "الضربة العسكرية تقابلها ضربة مماثلة"، تحاول الان تثبيت معادل اضافية جوهرها، الضغط على الملاحة في هرمز، ستكون له تداعيات في باب المندب والبحر الأحمر. وإذا استهدفت حلفاؤنا في اليمن، فإن الاستجابة ستأتي من العراق. مجمل هذه الرسائل لها هدف واحد؛ ارباك حسابات ترامب وحرمانه من معرفة أين ستكون الجولة التالية؛ وهنا تتحول الجغرافيا من ساحة للحرب إلى أداة لإدارة مصفوفة الحرب بمستوياتها المتعددة.
من عدسة القانون الدولي فإن القوة العسكرية لا تمنح الحوثيون حق السيطرة على باب المندب-وهو نفس القانون الذي تتجاهله واشنطن، وربما يكون أي تحرك عسكري قادم سواء اقليمي او دولي قادر على حرمان الحوثيين من التحكم المطلق بكل سفينة عابرة؛ و/او القدرة على اقفال المضيق حرفياً. غير ان الواقع يقول؛ انهم باتوا يمتلكون ورقة رابحة ربما تكون أهم من ذلك في حسابات الحرب، وهي القدرة على تهديد الملاحة من مسافة أكثر التصاقاً؛ وبالتالي تحويل الملاحة من نشاط طبيعي إلى مرور مشروط. فهرمز يضغط على تدفق الطاقة من دول الخليج والعراق إلى العالم؛ بينما يضغط باب المندب على المسار التجاري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وصولاً للبحر المتوسط بعد المرو بقناة السويس. هذه القدرة سواء في التهديد او التحكم هي جوهر المعادلة الجديدة.
من ناحية؛ أعلن الحوثيون على لسان المتحدث باسمهم ان "لا اغلاق لباب المندب" وان الحظر البحري يطال فقط "الملاحة البحرية على السعودية". من منطق الحسابات التكتيكية فإن قادة طهران لا يريدون الان توجيه الحوثي لإغلاق المضيق على الجميع، لإبقاء القيمة الاستراتيجية لهذه الورقة الجديدة محتفظة بقيمتها كاملةً كأداة ردع وتفاوض تستخدمها طهران في اللحظة المناسبة. ولهذا جاء الإعلان الحوثي أن باب المندب مفتوحاً للملاحة، مع استمرار التهديد للسفن السعودية، ليؤكد القيمة الاستراتيجية للورقة. بهذا المعنى، فإن رسالة الحوثي يمكن قراءتها بسهولة "الممر مفتوح، لكن قدرتنا على تعطيله متوافرة في أي لحظة"؛ وهذه هي المنطقة الرمادية التي تتحرك فيها إيران بمهارة؛ فهي لا تحتاج إلى الذهاب إلى حافة الهاوية لكن يكفي أن تلوح بما تمتلكه من اوراق مؤثرة.
بينما يسير الخطاب السياسي للحوثي المُسجل في طهران في اتجاه التهدئة والتطمينات، تتحرك الممارسة الفعلية لإيران في اتجاه آخر أكثر تصعيداً؛ هذه المرة على الاراضي السعودية؛ حيث تعرض ناقل النفط السعودي شرق-غرب؛ وهو الخط الذي يمنح المملكة منفذاً استراتيجياً لنقل جزء من نفطها من مناطق الإنتاج في الشرق إلى ميناء نيوم على البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز؛ الى هجوم بطائرات مسيرة أدى إلى وقف التدفق مؤقتاً. التوقيت هنا ليس تفصيلاً؛ لكن الاخطر ان مصدر الهجوم هو العراق؛ وهنا ملعب ايراني ثالث يساهم في رفع كلفة نقل النفط داخل الانابيب البرية وليس فقط الناقلات البحرية. ضمن هذا السياق، فإن العدوان على العربية السعودية لا ينبغي قراءته باعتباره حدثاً منفرداً، وإنما باعتبارها جزءاً من نمط أوسع يهيئ الارضية لدخول حلفاء إيران في العراق على خط مواجهة جديدة فيما لو استأنفت واشنطن هجماتها على طهران مستقبلاً.
ومع اكتفاء واشنطن بإدارة التصعيد في هذه المرحلة من خلال فرض حصار وعقوبات اقتصادية شديدة على طهران؛ الى حين الانتهاء من انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم. فإن استراتيجية طهران لن تكون المباشرة بإغلاق باب المندب، ولا إشعال مواجهة مباشرة بين العراق والسعودية؛ بل على الاغلب الحفاظ على هذه الأوراق جاهزة للاستخدام في الوقت المناسب حتى لا تفقد قيمتها. فالقوة لا تكمن بالضرورة في امتلاك السلاح ولا التفوق النوعي، يكفي ان تمتلك اوراق رابحة قادرة على ارباك الخصم وجعله يعيد التدقيق في حساباته المتعلقة بالعائد على كلفة استخدام كل ورقة. وهنا تصبح الحرب، للمفارقة، أقل ارتباطاً بالصواريخ والقنابل، وأكثر ارتباطاً بالأوراق التي لم يستخدمها كل طرف؛ وهذا هو سبب خطورة المرحلة القادمة. "أثمن ورقة ليست دائماً الورقة التي تُلعب أولاً ولا تلك التي تصدر ضجيجاً؛ بل تلك التي تبقى في اليد ولا يعرف الخصم متى سيتم استخدامها لكنه يعرف مسبقاً ارتفاع تكاليفها".



