*عجباً من كيان يدفع المستوطنين لمهاجمة الفلسطينيين، ثم يدين إرهابهم!*
*عجباً من كيان يدفع المستوطنين لمهاجمة الفلسطينيين، ثم يدين إرهابهم!*
أبو شريف رباح
30\8\2026
عجباً من كيان يمارس الاحتلال والعنف ثم يتقمص دور المدافع عن القانون عندما يتعلق الأمر بخلافاته الداخلية، هذا تماما ما يثير الاستغراب في موقف رئيس دولة الاحتلال إسحاق هرتسوغ ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو وهما يدينان أعمال العنف التي نفذها المستوطنون في بلدتي قصرة وجالود جنوب نابلس ويطالبان بمحاسبة المتورطين وتقديمهم إلى العدالة، فنتنياهو وصف منفذي الهجمات بأنهم حفنة من مثيري الشغب، وقال إن أعمالهم تضر بمكانة إسرائيل دوليا، وقد جاءت هذه الإدانة بعد ضغوط أمريكية ودولية على الحكومة الإسرائيلية لاتخاذ موقف واضح من عنف المستوطنين، وهنا يحق لنا أن نسأل، هل اكتشف نتنياهو فجأة أن الاعتداء على الفلسطينيين جريمة؟ وهل أصبح المستوطنون الذين يهاجمون المنازل والمزارع والأهالي هم المشكلة أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في منظومة الاحتلال التي وفرت لهم الأسلحة والحماية والغطاء السياسي؟.
القصة ليست قصة بضعة مستوطنون من مثيري شغب كما يحاول نتنياهو تصويرها، لأن عنف المستوطنين لم يعد حادثة فردية أو ظاهرة هامشية بل أصبح جزءا من مشهد الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية وما يزيد المشهد خطورة أن قوات الاحتلال تكون حاضرة في كثير من هذه الاعتداءات، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا هاجم المستوطنون قصرة وجالود؟ بل لماذا سمحت حكومة الاحتلال لهذه الظاهرة بأن تنمو وتتوسع؟ فمن يقتل الفلسطينيين ويدمر المنازل والأحياء والمخيمات،ويقتلع الأشجار ويصادر الأرض ويشن الحروب ويدمر المدن في غزة ولبنان لا يستطيع أن يقنع العالم بأن مشكلته الحقيقية هي مجموعة من المستوطنين الذين يسيئون إلى صورة إسرائيل، فالمشكلة ليست في الصورة فقط بل في أصل السياسة التي صنعت هذه الصورة، والأخطر بالنسبة لإسرائيل اليوم أن صورتها لم تعد كما كانت في السابق، فسنوات الحرب والدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا إلى جانب التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين تركت أثرا عميقا على مكانة إسرائيل السياسية والدبلوماسية ودفعت حتى بعض حلفائها وشركائها التقليديين إلى ممارسة ضغوط متزايدة عليها.
ولم يعد الغضب من السياسة الإسرائيلية مقتصرا على الحكومات والمنظمات الدولية بل أصبح يتسع في الشارع العالمي من العواصم الأوروبية إلى الجامعات والنقابات والمنظمات الحقوقية وتزايد الدعوات إلى فرض العقوبات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ووقف السياسات التي تؤدي إلى استمرار معاناة الفلسطينيين، وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات المرحلة، فإسرائيل التي كانت تحاول لعقود تقديم نفسها باعتبارها دولة ديمقراطية تحترم القانون أصبحت اليوم مضطرة إلى الدفاع عن صورتها أمام عالم بات أكثر تشككا في روايتها، ولهذا فإن إدانة نتنياهو لهجمات المستوطنين لا تبدو منفصلة عن الحسابات السياسية الداخلية لذلك يحاول نتنياهو اظهار نفسه ديمقراطيا أمام الناخب الإسرائيلي لا حزبه يعتمد على التحالف مع القوى اليمينية المتطرفة، بينما في الوقت نفسه يحاول الحفاظ على صورته أمام المجتمع الدولي.
نتنياهو يقف اليوم أمام معادلة صعبة من جهة يريد أصوات اليمين المتطرف كي يبقى في الحكم لكنه بالتالي لا يريد أن يتحمل أمام العالم مسؤولية كل ما يفعله هذا اليمين، يريد أن يأخذ أصوات المتطرفين لكنه يريد أن يتبرأ من أفعالهم عندما تصبح كلفتها الدولية مرتفعة، ومع اقتراب انتخابات الكنيست تصبح هذه المعادلة أكثر تعقيدا فنتنياهو يدرك أن استمرار الحروب والانقسامات داخل معسكر اليمين والأزمات السياسية والقضائية التي تحيط به يمكن أن تؤثر على فرص الليكود في الحفاظ على قوته، كما يدرك أن الناخب الإسرائيلي قد يبحث عن بدائل إذا شعر أن حكومة نتنياهو أصبحت عبئا على إسرائيل بدلا من أن تكون حماية لها، ولذلك فقد يحاول نتنياهو فتح قنوات مع قوى سياسية أخرى أو البحث عن تحالفات جديدة إذا أظهرت نتائج الاستطلاعات أن معسكره الحالي غير قادر على تأمين الأغلبية لتشكيل الحكومة
أما بالنسبة للناخبين الفلسطينيين في إسرائيل فلا ينبغي أن تخدعهم بيانات الإدانة فالقضية ليست في أن يقول نتنياهو إن المستوطنين "حفنة من مثيري الشغب" بل في أن تتوقف حكومة الاحتلال عن توفير البيئة السياسية والأمنية التي تسمح بالاستيطان والعنف والاعتداء على الفلسطينيين، فلا يمكن لمنظومة الاحتلال أن تكون الخصم والحكم في الوقت نفسه ولا يمكن لمن يقتل الفلسطيني ويهدم بيته ويصادر أرضه أن يظهر أمام العالم على إنه يدافع عن القانون، لقد اهتزت مكانة إسرائيل في العالم ولم يعد من السهل ترميم صورتها ببيان إدانة أو تصريح سياسي، فالغضب المتصاعد في عواصم كثيرة والضغوط الدبلوماسية المتزايدة واتساع حركة التضامن مع فلسطين كلها مؤشرات على أن الرواية الإسرائيلية التي ظلت لعقود تحظى بمساحة واسعة من التأييد باتت تواجه اليوم اختبار دولي غير مسبوق.
ولهذا فإن إدانة نتنياهو وهرتسوغ لعنف المستوطنين إن كانت جادة يجب أن تتحول إلى أفعال بمحاسبة المعتدين ووقف الاستيطان وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، أما الاكتفاء بالبيانات بينما يستمر الاحتلال والاستيطان والقتل والتهجير فلن يغير شيئا فالعالم لم يعد ينظر فقط إلى ما تقوله إسرائيل عن نفسها بل إلى ما تفعله على الأرض وهذه هي المشكلة الحقيقية التي لن تستطيع حكومة نتنياهو مهما حاولت أن تخفيها خلف بيانات الإدانة الكاذبة.



