ننتج أبحاثًا أكثر ونفكر أقل: هل يحوّلنا الذكاء الاصطناعي إلى نسخ من بعضنا؟

صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

أغسطس 16, 2026 - 09:32
ننتج أبحاثًا أكثر ونفكر أقل: هل يحوّلنا الذكاء الاصطناعي إلى نسخ من بعضنا؟

صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الباحثون يستخدمون الذكاء الاصطناعي أم لا، بل كيف يستخدمونه وفي أي مرحلة يسمحون له بالتدخل. فالخطر لا يبدأ عند كتابة النتائج، وإنما منذ اللحظة التي يقرر فيها الباحث موضوع دراسته والسؤال الذي سيطرحه.

دراسة منشورة في مجلة Nature حلّلت 41.3 مليون ورقة علمية، ووجدت أن الباحثين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي ينشرون أبحاثًا أكثر بنحو 3.02 مرات، ويحصلون على استشهادات أكثر بنحو 4.84 مرات، ويصلون إلى قيادة المشاريع البحثية أبكر بمعدل 1.37 سنة. لكن في المقابل انخفض تنوّع الموضوعات العلمية بنسبة 4.63%، وتراجع التفاعل اللاحق بين الأعمال البحثية بنسبة 22%.

بمعنى أخر، أصبح الباحث أكثر إنتاجًا ونجاحًا، بينما بدأ العلم نفسه يتحرك داخل مساحة أضيق.

من وجهة نظري، المشكلة لا تتمثل فقط في استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة الأبحاث أو نسخ النصوص، بل في أن نستخدم جميعًا الأدوات نفسها بالطريقة نفسها. عندها سنحصل على أبحاث مختلفة في عناوينها وكلماتها، لكنها متشابهة في أسئلتها ومناهجها وتحليلاتها ونتائجها.

يبدأ هذا التشابه عند اختيار المشكلة البحثية. فعندما يطلب الباحث من الأداة أن تقترح له موضوعًا جديدًا، فإنها تميل إلى الموضوعات الأكثر حضورًا في بياناتها، لأنها لا تعيش الواقع ولا تمتلك فضولًا علميًا مستقلًا. وإذا اعتمد باحثون كثيرون على هذه البداية، فقد تتغير العناوين والمجتمعات المستهدفة، لكن السؤال الأساسي يظل متكررًا. وهنا تصبح الفكرة جديدة لغويًا، لا معرفيًا.

ويتكرر الأمر عند صياغة الأسئلة والفرضيات. يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج أسئلة منظمة ومقنعة، لكنها غالبًا مبنية على العلاقات الأكثر شيوعًا في الأدبيات السابقة. فهو يستطيع صياغة السؤال، لكنه لا يعرف بالضرورة لماذا يستحق هذا السؤال أن يُطرح، وهذه مهمة الباحث الأساسية.

وفي مراجعة الدراسات السابقة يمكن للأداة تلخيص عشرات الأبحاث ومقارنتها خلال وقت قصير، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح التلخيص بديلًا عن القراءة النقدية. فقد تخبرنا بما قيل، لكنها لا تكشف دائمًا ما لم يُقل، ولماذا سيطر اتجاه معين، وكيف أثرت اللغة أو البيئة السياسية أو مصالح التمويل في المعرفة المنتجة.

أما في اختيار المنهجية، فقد تقترح الأداة استبانة أو نموذجًا تحليليًا شائعًا، رغم أن الظاهرة قد تحتاج إلى مقابلات عميقة أو ملاحظة ميدانية وفهم للسياق. وهكذا لا تعود البيانات في خدمة السؤال البحثي، بل يصبح السؤال مصممًا ليناسب البيانات المتوفرة والأسهل في المعالجة.

يظهر هذا التحدي بوضوح في السياق الفلسطيني والعربي. فلا يمكن فهم التعليم أو الإعلام أو الاقتصاد أو السلوك الرقمي الفلسطيني من خلال بيانات عامة تتجاهل الاحتلال والحواجز والقيود الاقتصادية والسياسية والتفاوت في الوصول إلى التكنولوجيا. قد يكتشف الذكاء الاصطناعي تشابهًا بين ظاهرتين، لكن الباحث الذي يعرف الواقع يدرك أن خلف هذا التشابه سياقات وعلاقات قوة مختلفة.

وفي مرحلة تحليل النتائج يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف الأنماط بسرعة، لكن اكتشاف العلاقة لا يعني فهمها، ووجود الارتباط لا يثبت السبب. لذلك يجب ألا يكتفي الباحث بسؤال: ماذا تقول النتائج؟ بل يسأل أيضًا: ما التفسيرات البديلة؟ وما البيانات الغائبة؟ ومن لم تمثله العينة؟

برأيي، الذكاء الاصطناعي لا يجعل البحث سطحيًا بصورة تلقائية، لكنه قد يجعل السطحية أسرع وأكثر تنظيمًا وأصعب في اكتشافها. فقد نصل إلى بحث متكامل العناصر ومكتوب بلغة ممتازة، لكنه لا يحمل رؤية الباحث ولا شكوكه ولا يقدم سؤالًا جديدًا.

الحل ليس في رفض الذكاء الاصطناعي، بل في تحديد موقعه داخل البحث. يجب أن يكون أداة لاختبار الأفكار لا مصنعًا جاهزًا لها. فبدل أن نسأله عن الموضوع الذي ينبغي أن نبحث فيه، نقدم له ملاحظتنا وفرضيتنا ونطلب منه نقضها وكشف نقاط ضعفها واقتراح تفسيرات معارضة لها.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا على الركض بسرعة أكبر، لكنه لا يحدد وحده الاتجاه الصحيح. والخطر القادم ليس أن يكتب أبحاثنا بدلًا منا فقط، بل أن يختار أسئلتنا ويحدد مناهجنا ويفسر نتائجنا، ثم يجعلنا نعتقد أننا ننتج معرفة جديدة، بينما نعيد جميعًا إنتاج الطريقة نفسها في التفكير.