لماذا نرى المشكلة ولا نتصرف؟
عندما تصبح حماية القرار أهم من حل المشكلة
لماذا نرى المشكلة ولا نتصرف؟
عندما تصبح حماية القرار أهم من حل المشكلة
محمد قاروط أبو رحمه
عضو مجلس أمناء مركز الانطلاقة للدراسات
ابتداء من مؤسسة العائلة وصولاً الى مؤسسات الدولة، ومن الفريق الصغير إلى المؤسسة الكبيرة، نواجه أحيانًا المشكلة نفسها، وإن اختلفت أشكالها وأحجامها:
نرى المشكلة، نعرف أنها موجودة، وربما نتحدث عنها، لكننا لا نفعل ما يكفي لمنعها من أن تكبر.
في العائلة، قد تبدأ المشكلة بخلاف صغير يتكرر دون معالجة، وفي المدرسة بسلوك يتم التغاضي عنه، وفي فريق العمل بخلل في التواصل، وفي مؤسسة بإجراء لم يعد فعالًا، وفي إدارة بقرار لم يعد مناسبًا، وفي مؤسسة عامة بمؤشرات خلل تظهر مبكرًا ثم يجري التعامل معها وكأنها أمر عابر.
تختلف المواقع، وتختلف المسؤوليات، وتختلف النتائج، لكن الآلية الإنسانية قد تكون واحدة.
المشكلة الصغيرة لا تتحول إلى أزمة لأنها كانت كبيرة منذ البداية، بل لأنها تُترك أحيانًا لتتراكم، أو يجري تفسيرها بطريقة تقلل من خطورتها، أو يصبح الاعتراف بها مكلفًا، أو يصبح التراجع عن مسار معين أصعب بعد أن نستثمر فيه وقتًا، وجهدًا، ومالًا، وسمعة.
والأخطر من ذلك أن بعض النجاحات المؤقتة قد تمنحنا الدليل الذي نحتاجه لإقناع أنفسنا بأن كل شيء على ما يرام.
وهنا يبدأ السؤال: لماذا نهمل المشكلات أحيانًا حتى تصبح أزمات؟
نحن لا نرى الواقع دائمًا كما هو
قد يبدو السؤال غريبًا: كيف يمكن أن تكون المشكلة أمام أعيننا ولا نراها؟
لكننا في الحقيقة لا نتعامل مع الواقع كما هو دائمًا؛ بل نراه من خلال تفسيرنا له.
قد يظهر خلل في الأداء فنصفه بأنه ظرف مؤقت. وقد تتكرر المشكلة فنعتبرها حالة استثنائية.
وقد تظهر إشارات تحذيرية فنقول: الأمور ستتحسن
وقد تصلنا معلومات لا تنسجم مع ما نعتقده، فنبحث عن تفسير يسمح لنا بالاحتفاظ بقناعتنا السابقة.
وهنا لا تعود المشكلة في نقص المعلومات.
المشكلة تصبح في الطريقة التي نفسر بها المعلومات.
فالواقع قد يقول شيئًا، بينما يقول تفسيرنا له شيئًا آخر. وقد تكون الحقيقة أمامنا، لكننا لا نراها بالحجم الذي تستحقه.
والخطر الأكبر أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها تفسيرنا للواقع أقوى من الواقع نفسه.
عندها لا نحتاج إلى إخفاء المشكلة حتى نهملها؛ يكفي أن نعيد تعريفها بطريقة تجعل التعامل معها غير عاجل.
فنقول: ليست مشكلة كبيرة. حدثت من قبل وانتهت. هذه مجرد حالة استثنائية. سنجد لها حلًا.
وربما يكون السؤال الأكثر إزعاجًا هنا: هل نحن نحاول فهم المشكلة، أم نحاول حماية تفسيرنا لها؟
ثم نقنع أنفسنا بأننا مسيطرون. عندما تظهر المشكلة، قد لا ننكر وجودها. نقول فقط: نستطيع التعامل معها. وقد نكون قادرين فعلًا على احتوائها مرة أو مرتين. لكن احتواء المشكلة ليس بالضرورة حلها. قد نعالج العرض ونترك السبب. وقد نوقف النزيف دون أن نعرف لماذا بدأ. وقد نتجاوز حادثة معينة، فنعتقد أننا تجاوزنا المشكلة. ثم يتكرر الأمر. فنعود إلى المعالجة نفسها.
وهكذا يتحول النجاح في التعامل مع النتيجة إلى وهم بأننا نسيطر على المسار.
وهنا يجب أن نتوقف عند سؤال مهم:
هل نحن نسيطر على المشكلة، أم أننا فقط نؤجل ظهورها بصورة أكبر؟
المؤسسة القادرة على إطفاء الحرائق ليست بالضرورة مؤسسة قادرة على منع الحرائق.
والقائد الذي ينجح في احتواء الأزمات المتكررة ليس بالضرورة قائدًا نجح في معالجة أسبابها.
فالسيطرة الحقيقية لا تقاس بعدد المشكلات التي نتمكن من إخمادها، بل بقدرتنا على منع الأسباب من إعادة إنتاجها.
المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما تهدد قرارًا سابقًا
هناك لحظة يصبح فيها الاعتراف بالمشكلة مكلفًا.
ليس لأن حلها أصبح مستحيلًا، وإنما لأن الاعتراف بها قد يعني الاعتراف بأن قرارًا سابقًا لم يكن صائبًا. وقد يعني ذلك أن تقديرًا سابقًا كان خاطئًا، أو أن افتراضًا لم يعد صحيحًا، أو أن سياسة اتُّبعت لم تعد مناسبة، أو أن طريقة عمل تحتاج إلى تغيير.
وهنا قد يحدث التحول الأخطر: بدل أن نستخدم الواقع لاختبار القرار، نستخدم القرار لتفسير الواقع.
إذا جاءت النتائج مخالفة لتوقعاتنا، لا نسأل: هل كان القرار صحيحًا؟ بل قد نسأل: كيف نفسر النتائج بحيث يبقى قرارنا صحيحًا؟
وهكذا ينتقل الاهتمام من تصحيح المسار إلى الدفاع عن المسار.
وقد يحدث ذلك في الأسرة، وفي الفريق، وفي المؤسسة، وفي الإدارة، وفي مؤسسات الدولة.
فكلما ارتبط القرار بصورة صاحبه أو بمكانته أو بسمعته، أصبح الاعتراف بالحاجة إلى مراجعته أكثر صعوبة. لكن القرار الذي لا يمكن مراجعته يتحول مع الوقت إلى قيد.
وكلما استثمرنا أكثر أصبح التراجع أصعب. ليس الاستثمار في القرار مالًا فقط.
قد نستثمر الوقت، والجهد، والسمعة، والعلاقات، والنفوذ، والتوقعات، والوعود، وحتى جزءًا من صورتنا عن أنفسنا.
لذلك عندما نكتشف أن المسار لم يعد مناسبًا، قد نشعر أن التراجع يعني الاعتراف بأن كل ما فعلناه كان خطأ.
فنقول: لقد قطعنا شوطًا طويلًا. لقد أنفقنا الكثير. لا يمكن أن نعود الآن. لكن هناك سؤالًا أكثر عقلانية:
هل ما أنفقناه في الماضي يجب أن يحدد ما سننفقه في المستقبل؟
ما خسرناه أصبح جزءًا من الماضي. أما القرار الذي نتخذه الآن فهو قرار بشأن المستقبل.
وقد يكون التراجع مؤلمًا، لكن الاستمرار في المسار الخطأ قد يكون أكثر كلفة.
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
لا تحاول إنقاذ ما استثمرته في الماضي على حساب ما يمكن أن تخسره في المستقبل.
والأخطر: أن يأتي النجاح في الوقت الخطأ. ربما يبدو هذا غريبًا. كيف يمكن للنجاح أن يكون جزءًا من المشكلة؟ لأن المسار الخاطئ لا يفشل دائمًا فورًا. قد يحقق بعض النتائج الجيدة. وقد تتحسن المؤشرات مؤقتًا. وقد تأتي ظروف خارجية لصالحنا. وقد يحدث نجاح في اللحظة التي كنا نحتاج فيها إلى دليل يثبت أننا على الطريق الصحيح. فنقول:
ألم نكن على حق؟
لكن نجاح النتيجة لا يعني بالضرورة صحة المسار. قد تنجح مرة وأنت تسير في الاتجاه الخطأ.
وقد تفشل مرة وأنت تسير في الاتجاه الصحيح. لذلك لا يكفي أن نسأل: هل نجحنا؟
بل علينا أن نسأل: لماذا نجحنا؟
وهل يمكن تكرار النجاح؟ وما الذي تقوله بقية المؤشرات؟
وهل تحسن النتيجة دليل على سلامة المسار، أم مجرد نتيجة لظرف مؤقت؟
فالنجاح الذي لا نفهم أسبابه قد يتحول إلى شرعية زائفة لمسار يحتاج إلى مراجعة.
هكذا تتحول المشكلة إلى أزمة
إذا جمعنا هذه العوامل، يمكن أن يبدأ المسار هكذا:
تظهر المشكلة...نفسرها بطريقة تقلل من خطورتها...نعتقد أننا قادرون على السيطرة عليها...نرفض أن تجعلنا نعيد النظر في قراراتنا السابقة...نتمسك بالمسار بسبب ما استثمرناه فيه...نستخدم بعض النجاحات لتأكيد صحة المسار...نتجاهل الإشارات الجديدة...تتراكم المشكلات...تتقلص البدائل...تتحول المشكلة إلى أزمة. وهنا نكتشف شيئًا مهمًا: الأزمة لم تبدأ عندما انفجرت. بدأت في اللحظة التي كانت فيها هناك فرصة للتدخل ولم نتدخل.
المشكلة ليست دائمًا في غياب الحل
ربما نخطئ عندما نعتقد أن كل مشكلة تتحول إلى أزمة لأننا لم نملك حلًا لها.
أحيانًا يكون الحل موجودًا. وقد تكون البدائل معروفة. وقد تكون التحذيرات قد قيلت. وقد يكون بعض الأشخاص قد أشاروا إلى الخلل في وقت مبكر.
لكن ما كان غائبًا هو الاستعداد النفسي والتنظيمي للاعتراف بالمشكلة واتخاذ القرار المناسب بشأنها.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي ليس: كيف نجد الحل؟ بل: كيف نبني بيئة تسمح برؤية المشكلة والاعتراف بها قبل أن يصبح الاعتراف بها مكلفًا؟
وهذه ليست مسألة إدارية فقط. إنها مسألة ثقافة. ثقافة الأسرة. وثقافة الفريق. وثقافة المؤسسة. وثقافة القيادة. وثقافة الدولة.
فالمؤسسة التي تعاقب من يحمل الخبر السيئ ستتعلم، عاجلًا أم آجلًا، أن الأخبار السيئة لا تصل إلى القيادة.
والمؤسسة التي تعتبر الاعتراف بالخطأ ضعفًا ستدفع أفرادها إلى الدفاع عن أخطائهم.
والمؤسسة التي لا تسمح بمراجعة القرارات ستجد نفسها مضطرة يومًا إلى التعامل مع نتائج قرارات لم تعد قابلة للمراجعة.
كيف نمنع المشكلة من أن تصبح أزمة؟
ربما نحتاج إلى تغيير بعض الأسئلة التي نطرحها.
بدلًا من أن نسأل: من المسؤول عن المشكلة؟ نسأل: متى ظهرت أول إشارة إليها؟ وبدلًا من:
لماذا حدث هذا؟ نسأل: كيف فسرنا ما حدث عندما ظهرت أول مرة؟ وبدلًا من: كيف ننقذ القرار؟
نسأل. هل ما زال القرار يستحق الاستمرار؟ وبدلًا من: كم استثمرنا حتى الآن؟ نسأل:
كم سيكلفنا الاستمرار من الآن فصاعدًا؟ وبدلًا من: لقد نجحنا. نسأل: ما الذي يثبت أن هذا النجاح قابل للاستمرار؟
هذه الأسئلة لا تحل المشكلة تلقائيًا. لكنها تفعل شيئًا أهم: تمنعنا من أن نصبح أسرى لتفسير واحد، أو قرار سابق، أو استثمار مضى، أو نجاح مؤقت.
من إدارة الأزمة إلى منع الأزمة
القيادة لا تُختبر فقط عندما تقع الأزمة. بل تُختبر قبل ذلك بكثير: عندما تظهر الإشارة الأولى.
والقيادة الناضجة ليست التي تقول: لقد اتخذنا القرار الصحيح. بل التي تستطيع أن تقول:
إذا أثبت الواقع أن قرارنا لم يعد صحيحًا، فنحن مستعدون لمراجعته.
والمؤسسة المتعلمة لا تحمي قراراتها من النقد؛ تحمي نفسها من تكرار الخطأ.
والقائد الذي يقود الإصلاح لا ينتظر الأزمة كي يبدأ الإصلاح؛ يقرأ الإشارة قبل أن تصبح صرخة.
والسؤال لك: من العائلة إلى المؤسسة، ومن الفريق إلى الدولة:
هل واجهت في حياتك أو عملك مشكلة كان الجميع يعرف بوجودها، لكن التعامل معها تأخر حتى أصبحت أزمة؟
وإذا كان جوابك نعم، فما الذي منع التعامل معها في بدايتها؟
هل كان: سوء تفسير الواقع؟ أم وهم السيطرة؟ أم الخوف من الاعتراف بخطأ سابق؟
أم صعوبة التراجع بعد استثمار الوقت والجهد والمال؟ أم نجاح مؤقت منح المسار الخاطئ شرعية زائفة؟ وربما يكون السؤال الأهم:
لو عاد بك الزمن إلى اللحظة التي كانت فيها المشكلة صغيرة، ماذا كنت ستفعل بشكل مختلف؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من معرفة كيفية إدارة الأزمة بعد وقوعها.
فالأزمة التي نستطيع منعها ليست قدرًا.
والمشكلة التي نجرؤ على رؤيتها مبكرًا قد تكون آخر مشكلة قبل أن تبدأ الأزمة.
اريحا فلسطين
10/ 8/2026
استفاد هذا المقال من الأفكار الواردة في الفصول السادس والسابع والتاسع والعاشر من كتاب: فن اتخاذ القرار للكاتبة هيلغا دروموند، ترجمة باسمة رفيق النوري.



