أموال المقاصة ومعبر الكرامة: حدود سلطة الاحتلال بين الالتزامات الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
أموال المقاصة ومعبر الكرامة: حدود سلطة الاحتلال بين الالتزامات الدولية وحقوق الشعب الفلسطيني
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تتداخل قضية أموال المقاصة الفلسطينية مع ملف معبر الكرامة وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي على نحو يكشف عن إشكالية قانونية جوهرية تتعلق بحدود صلاحيات الدولة القائمة بالاحتلال، ومدى جواز استخدامها للسيطرة على الموارد الاقتصادية وحركة السكان كأدوات ضغط سياسية.
فكما أن التحكم الإسرائيلي بمعبر الكرامة وما يترتب عليه من قيود على حركة الأشخاص والبضائع يمس حقوقاً اقتصادية ومدنية مكفولة بموجب القانون الدولي، فإن احتجاز أموال المقاصة أو التحكم المنفرد في تحويلها يمثل الوجه الآخر لسياسة فرض السيطرة على مقومات الحياة الاقتصادية للشعب الفلسطيني.
والسؤال القانوني المركزي هنا هو: هل تمنح صفة الاحتلال إسرائيل حق التصرف المنفرد بأموال الإقليم المحتل أو التحكم بمصادر دخله؟ أم أن القانون الدولي يفرض عليها التزامات محددة باعتبارها قوة قائمة بالاحتلال؟
أولاً: الطبيعة القانونية للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967
أكد المجتمع الدولي، عبر قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أن الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، هي أراضٍ محتلة تخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني.
وقد أكد مجلس الأمن الدولي هذا الوضع القانوني في القرار 242 لعام 1967 الذي دعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع، كما أكد القرار 338 لعام 1973 ضرورة تطبيق القرار 242 وإقامة سلام يقوم على مبادئ القانون الدولي.
كما جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الجدار عام 2004 ليؤكد أن الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 تخضع لنظام الاحتلال العسكري، وأن الاحتلال لا ينقل السيادة إلى القوة القائمة بالاحتلال.
وأكدت المحكمة أن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن إسرائيل ملزمة باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق السكان المدنيين.
(محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن الآثار القانونية الناشئة عن تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، 9 تموز/يوليو 2004).
كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة أن استمرار الاحتلال لا يؤدي إلى اكتساب السيادة، وأن الشعب الفلسطيني يتمتع بحق غير قابل للتصرف في تقرير مصيره.
(محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن الآثار القانونية لسياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، 19 تموز/يوليو 2024).
وبذلك فإن القاعدة القانونية المستقرة هي:
الاحتلال واقع مؤقت لا ينتج سيادة، ولا يمنح الدولة القائمة بالاحتلال حق الضم أو تغيير الوضع القانوني للإقليم أو فرض ترتيبات دائمة تخدم مصالحها السياسية.
ثانياً: التزامات القوة القائمة بالاحتلال بشأن إدارة الإقليم المحتل
ينظم القانون الدولي الإنساني صلاحيات الاحتلال، ولا سيما:
لائحة لاهاي لعام 1907 بشأن قوانين وأعراف الحرب البرية، وبالأخص المواد (42 – 56).
اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية المدنيين وقت الحرب.
وتنص المادة 43 من لائحة لاهاي على أن القوة القائمة بالاحتلال ملزمة باتخاذ جميع التدابير اللازمة لإعادة النظام العام والحياة العامة وضمان استمرارها، مع احترام القوانين النافذة في الإقليم المحتل.
كما تنص اتفاقية جنيف الرابعة على حماية السكان المدنيين وعدم اتخاذ إجراءات تؤدي إلى حرمانهم من حقوقهم الأساسية.
والأصل القانوني أن القوة القائمة بالاحتلال لا تمارس سلطة سيادية، وإنما تمارس صلاحيات إدارية مؤقتة بهدف إدارة الإقليم لمصلحة السكان.
وعليه فإن الموارد المالية والاقتصادية للإقليم المحتل لا يجوز استخدامها لخدمة أهداف سياسية أو توسعية للدولة المحتلة، بل يجب أن توجه لمصلحة السكان وتحسين ظروف حياتهم.
وهذا المبدأ ينسجم مع قواعد القانون الدولي التي تعتبر أن الاحتلال لا يمنح الدولة المحتلة حق استغلال موارد الإقليم المحتل أو تحويلها إلى أداة ضغط أو عقاب.
ثالثاً: أموال المقاصة ليست أموالاً إسرائيلية
تستند قضية المقاصة إلى بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، وهو الملحق الاقتصادي لاتفاق أوسلو الثاني الموقع عام 1995.
وقد نظم البروتوكول آلية تحصيل الضرائب والرسوم المتعلقة بالتجارة وحركة البضائع، بحيث تقوم إسرائيل بتحصيل بعض الإيرادات نيابة عن الجانب الفلسطيني وتحويلها إليه وفق ترتيبات محددة.
ومن الناحية القانونية، فإن إسرائيل لا تحصل هذه الأموال باعتبارها مالكة لها، وإنما باعتبارها جهة تحصيل وفق اتفاق مرحلي.
وبالتالي فإن أموال المقاصة تمثل إيرادات فلسطينية مستحقة، وليست مورداً مالياً إسرائيلياً يخضع للتصرف السياسي المنفرد.
ويترتب على ذلك أن أي اقتطاع أو حجز خارج نطاق ما نص عليه الاتفاق يشكل إشكالية قانونية تتعلق:
بمبدأ حسن النية في تنفيذ الاتفاقيات الدولية.
بعدم جواز استخدام الالتزامات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية غير متفق عليها.
بمخالفة الطبيعة الانتقالية لاتفاق باريس.
ويؤكد ذلك مبدأ عام في قانون المعاهدات ورد في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، ولا سيما المادة (26) التي تنص على وجوب تنفيذ الاتفاقيات بحسن نية.
رابعاً: العلاقة القانونية بين معبر الكرامة وأموال المقاصة
تمثل قضية معبر الكرامة نموذجاً مهماً لفهم حدود السلطة الإسرائيلية في إدارة شؤون الفلسطينيين.
فالمعبر ليس مجرد نقطة عبور، بل يمثل شرياناً اقتصادياً وإنسانياً يربط الفلسطينيين بالعالم الخارجي، وأي قيود أحادية على عمله تؤثر في:
حرية الحركة. التجارة. النشاط الاقتصادي. الحقوق الاجتماعية والإنسانية للسكان.
والأمر ذاته ينطبق على أموال المقاصة، إذ إن حجزها أو التحكم بها يؤدي إلى آثار مباشرة على قدرة المؤسسات الفلسطينية على تقديم الخدمات الأساسية ودفع الرواتب وتمويل القطاعات العامة.
ومن هنا فإن القضيتين تلتقيان عند قاعدة قانونية واحدة:_
لا يجوز للقوة القائمة بالاحتلال استخدام أدوات السيطرة الإدارية أو الاقتصادية لإعادة تشكيل الواقع السياسي أو فرض تبعية دائمة على السكان المحتلين.
خامساً: اتفاق أوسلو لا يمنح إسرائيل حق السيادة أو القرار المنفرد
إن اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي هما اتفاقان مرحليان انتقاليان، ولم يكونا اتفاقي نقل سيادة أو تنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
فالمرحلة الانتقالية لا يمكن تفسيرها بما يؤدي إلى إلغاء قواعد القانون الدولي أو منح الاحتلال صلاحيات دائمة.
كما أن الاتفاقات الثنائية لا يمكن أن تعطي شرعية لأي إجراء يخالف القواعد الآمرة في القانون الدولي، ومنها:
حق الشعوب في تقرير المصير.
عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
عدم شرعية الضم." وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا المبدأ في العديد من قراراتها المتعلقة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ومنها القرار 2625 لعام 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول ".
سادساً: المسار القضائي ومتطلبات التحرك القانوني
إن إمكانية اللجوء إلى القضاء الإسرائيلي بشأن قرارات حجز أو اقتطاع أموال المقاصة يجب أن تتم ضمن إطار قانوني دقيق.
فالغاية ليست الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وإنما مساءلة جهة إسرائيلية عن قرار إداري صادر عنها يمس حقوقاً مالية واقتصادية.
ويجب أن يقوم أي تحرك قضائي على:_
التأكيد أن الاحتلال لا ينقل السيادة.
التأكيد أن الأموال الفلسطينية ليست ملكاً لإسرائيل.
اعتبار الإجراءات الإسرائيلية قرارات إدارية قابلة للطعن.
الحفاظ على الحق الفلسطيني في اللجوء إلى المحافل الدولية.
كما أن اللجوء إلى القضاء الإسرائيلي لا يشكل قبولاً بالضم أو اعترافاً بالسيادة، وإنما يمثل استخداماً لوسيلة قانونية متاحة لمواجهة قرار صادر عن سلطة احتلال.
وخلاصة القول
إن قضية أموال المقاصة ليست نزاعاً مالياً مجرداً، بل هي جزء من إشكالية قانونية أوسع تتعلق بطبيعة الاحتلال وحدود صلاحيات القوة القائمة به.
فالقانون الدولي واضح في أن الاحتلال لا ينقل السيادة، وأن الدولة القائمة بالاحتلال لا تملك حق تغيير الوضع القانوني للإقليم أو استخدام موارده لتحقيق أهداف سياسية خاصة.
وكما أن معبر الكرامة يمثل اختباراً لاحترام إسرائيل لحقوق الحركة والاقتصاد، فإن أموال المقاصة تمثل اختباراً لمدى احترامها لالتزاماتها القانونية تجاه الشعب الفلسطيني.
وعليه، فإن أي حجز أو اقتطاع لأموال المقاصة خارج الإطار القانوني لا يمكن اعتباره إجراءً مالياً عادياً، بل يمثل مساساً بحقوق اقتصادية لشعب يعيش تحت الاحتلال، ويتعارض مع المبادئ التي أرساها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وأحكام محكمة العدل الدولية.
فالاحتلال لا يمنح السيادة، والاتفاقات الانتقالية لا تمنح حق الضم، والموارد المالية للشعب المحتل تبقى أموالاً مخصصة لخدمته وتحسين مستوى معيشته، لا أداة للضغط السياسي أو تكريس السيطرة.
الهوامش والمراجع القانونية
1- اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 بشأن قوانين وأعراف الحرب البرية، المواد 42–56.
2- اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية المدنيين وقت الحرب.
3- محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، 9 يوليو/تموز 2004.
4- محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، 19 يوليو/تموز 2024.
5- قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967.
6- قرار مجلس الأمن رقم 338 لعام 1973.
7- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 لعام 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي.
8-اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، المادة 26 (مبدأ الالتزام بالمعاهدات وحسن تنفيذها).
9- اتفاق أوسلو الثاني لعام 1995.
10 - بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994.



