سموتريتش يعلن “ثورة الاستيطان”: تصعيد ممنهج يعيد رسم جغرافيا الصراع في الضفة والقدس
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
سموتريتش يعلن “ثورة الاستيطان”: تصعيد ممنهج يعيد رسم جغرافيا الصراع في الضفة والقدس
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشير إعلان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، عن بدء ما أسماه «ثورة الاستيطان»، إلى مرحلة جديدة وأكثر خطورة في مسار المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، تتجاوز حدود التوسع التقليدي في الضفة الغربية لتطال النقب والجليل، في محاولة لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية داخل وخارج الأراضي المحتلة عام 1967.
وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي داخلي إسرائيلي يتسم بتصاعد نفوذ أحزاب اليمين الديني والقومي المتطرف داخل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتي باتت تعتمد بشكل مباشر على هذه التيارات لضمان استمرارية ائتلافها الحاكم، ما جعل المشروع الاستيطاني جزءاً بنيوياً من القرار السياسي الرسمي وليس مجرد سياسة ميدانية معزولة.
تسارع ميداني غير مسبوق
يتزامن خطاب سموتريتش مع تسارع واضح في وتيرة النشاط الاستيطاني على الأرض، سواء من خلال المصادقة على مستوطنات جديدة في عمق الضفة الغربية أو عبر توسيع البؤر الاستيطانية التي باتت تتحول تدريجياً من مواقع غير رسمية إلى وقائع شبه قانونية بفعل الدعم الحكومي غير المعلن.
كما شهدت الفترة الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في عدد البؤر الاستيطانية، في مؤشر على انتقال الاستيطان من مرحلة “التوسع المنظم” إلى مرحلة “الانتشار الأفقي” الذي يهدف إلى خلق شبكة جغرافية تفصل بين التجمعات الفلسطينية وتحدّ من إمكانية التواصل الجغرافي بينها.
وفي القدس المحتلة، تواصل سلطات الاحتلال تنفيذ مشاريع تهويدية تمس الذاكرة التاريخية للمدينة، من بينها مشاريع استيطانية على مواقع حساسة، الأمر الذي تعتبره المؤسسات الفلسطينية انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي يؤكد عدم شرعية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية.
البعد القانوني: تحدٍ مباشر للشرعية الدولية
من الناحية القانونية، يُعد التوسع الاستيطاني انتهاكاً واضحاً لاتفاقيات جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان المدنيين إلى الأراضي المحتلة. إلا أن استمرار السياسات الاستيطانية يعكس حالة عجز دولي في فرض آليات تنفيذ فعالة، ما أدى إلى تحول هذه الانتهاكات إلى أمر واقع على الأرض.
وفي هذا السياق، لا تبدو الإدانات الدولية كافية لوقف التوسع، في ظل غياب أدوات ضغط حقيقية قادرة على إلزام إسرائيل بوقف سياساتها، وهو ما يضع النظام الدولي أمام اختبار جدي لمدى فاعليته في حماية القانون الدولي الإنساني.
أبعاد سياسية واستراتيجية
إن ما يسميه سموتريتش “ثورة الاستيطان” لا يمكن قراءته كمجرد خطاب تعبوي داخلي، بل كإعلان عن تحول استراتيجي في طبيعة المشروع الاستيطاني، يقوم على الانتقال من إدارة الاحتلال إلى إعادة إنتاجه كمنظومة دائمة للسيطرة الجغرافية والديموغرافية.
ويعتمد هذا المشروع على ثلاثة مسارات رئيسية:
توسيع الاستيطان وربطه بشبكات بنية تحتية تمنع التواصل الجغرافي الفلسطيني.
تفكيك الجغرافيا الفلسطينية عبر عزل المدن والقرى وتحويلها إلى كانتونات منفصلة.
فرض وقائع ديموغرافية تدريجية عبر توسيع المستوطنات وتشجيع الهجرة الداخلية للمستوطنين.
الموقف الدولي: ضغوط محدودة وقلق متزايد
في المقابل، تشير تسريبات إعلامية إلى وجود قلق متزايد داخل الإدارة الأميركية من تصاعد عنف المستوطنين والانتهاكات في الضفة الغربية، مع الحديث عن نية واشنطن طرح مطالب تتعلق بوقف هذه الاعتداءات وتخفيف القيود على الفلسطينيين خلال لقاءات سياسية مرتقبة.
إلا أن هذه التحركات، في حال تأكدت، تبقى ضمن إطار إدارة الأزمة وليس تغيير مسارها، ما يعكس استمرار التوازن الدقيق بين الدعم الاستراتيجي لإسرائيل ومحاولات احتواء تداعيات السياسات الميدانية على الأرض.
خاتمة
إن إعلان سموتريتش عن “ثورة الاستيطان” يمثل نقطة تحول في الخطاب والسياسة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية والقدس، حيث يتجه المشروع الاستيطاني نحو مزيد من الترسخ والتوسع المنهجي، في ظل غياب ردع دولي فاعل.
وفي ظل هذا المسار، تبدو الأرض الفلسطينية أمام مرحلة أكثر تعقيداً، تتقاطع فيها السياسات الحكومية مع الوقائع الميدانية، بما يعيد تشكيل مستقبل الصراع على أسس أكثر صلابة وأقل قابلية للتراجع.



