كيف شيَّأت مدرسة شيكاغو الإنسان؟

محمد قاروط أبو رحمه

يونيو 29, 2026 - 10:47
كيف شيَّأت مدرسة شيكاغو الإنسان؟

كيف شيَّأت مدرسة شيكاغو الإنسان؟

محمد قاروط أبو رحمه

لم تقتصر ثورة مدرسة شيكاغو على إعادة صياغة السياسات الاقتصادية، بل امتدت إلى إعادة تشكيل صورة الإنسان نفسه. فمنذ منتصف القرن العشرين، ومع أعمال ميلتون فريدمان، وثيودور دبليو. شولتز، وغاري س. بيكر، لم يعد الاقتصاد علمًا يفسر الأسواق فحسب، بل أصبح إطارًا معرفيًا لتفسير السلوك الإنساني في مجمله. وهنا وقع التحول الأكثر عمقًا: انتقل الإنسان من كونه فاعلًا أخلاقيًا واجتماعيًا إلى كونه فاعلًا اقتصاديًا تُفهم أفعاله من خلال منطق المنفعة والحوافز والعائد.

كانت البداية مع مفهوم «رأس المال البشري»، الذي قدمه شولتز وطوره بيكر. فقد نظر هذا المفهوم إلى التعليم، والصحة، والخبرة، والمهارات بوصفها استثمارات ترفع إنتاجية الفرد وتزيد دخله المستقبلي. وقد أسهم هذا التصور في إبراز أهمية الاستثمار في الإنسان داخل السياسات الاقتصادية، لكنه حمل في الوقت نفسه تحولًا جذريًا في فهم الإنسان؛ فلم يعد الإنسان يُنظر إليه بوصفه غاية في ذاته، بل بوصفه أصلًا اقتصاديًا يمكن قياس قيمته، وتنمية إنتاجيته، وتعظيم عائده.

ومن هنا لم يعد التعليم يُقاس بقيمته في بناء العقل أو تنمية الوعي أو ترسيخ الأخلاق، بل بقدرته على رفع الدخل والإنتاجية. وأصبح اختيار التخصصات العلمية يخضع لحسابات العائد الاقتصادي أكثر من خضوعه لقيمة المعرفة نفسها، بينما تراجعت مكانة الفلسفة والآداب والعلوم الإنسانية لأنها لا تحقق، وفق هذا المنطق، عائدًا ماليًا مباشرًا.

لكن مدرسة شيكاغو لم تتوقف عند هذا الحد. فقد وسع غاري بيكر التحليل الاقتصادي ليشمل الأسرة والزواج والإنجاب والجريمة والتعليم والدين، انطلاقًا من فرضية أن الإنسان يتخذ قراراته وفق حساب عقلاني للمنافع والتكاليف. وبهذا لم يعد الاقتصاد يفسر السوق فقط، بل أصبح يفسر المجتمع بأكمله.

هذا التوسع لم يكن مجرد إضافة لموضوعات جديدة إلى الاقتصاد، بل مثّل انتقالًا من اقتصاد السوق إلى مجتمع السوق؛ أي المجتمع الذي تُعاد فيه قراءة العلاقات الإنسانية كلها بمنطق التبادل والعائد. فالزواج يمكن فهمه كشراكة تحقق منفعة متبادلة، والتعليم كاستثمار، والأطفال كرأس مال مستقبلي، والعمل بوصفه مشروعًا لتعظيم القيمة الاقتصادية للفرد.

ومن هنا يبرز السؤال الفلسفي: ماذا يحدث عندما تصبح القيمة الاقتصادية هي المعيار الأعلى لتقييم الإنسان؟

إن الخطر لا يكمن في استخدام الأدوات الاقتصادية لتحليل بعض الظواهر، بل في تحول هذا التحليل إلى رؤية شاملة للإنسان. فعندما تصبح الكفاءة والإنتاجية والعائد الاقتصادي المقياس الرئيس للقيمة، يغدو الإنسان قابلًا للتقييم والتسعير والاستبدال، وتفقد الأبعاد الأخلاقية والروحية والثقافية استقلالها أمام منطق السوق.

وهنا يلتقي النقد الفلسفي مع تحذير إيمانويل كانط، الذي رأى أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا بوصفه غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق غايات أخرى. فالإنسان الذي يُختزل إلى رأسمال بشري يصبح موضوعًا للاستثمار والتطوير والاستهلاك، لا شخصًا يمتلك كرامة متأصلة سابقة على أي منفعة اقتصادية.

ولم تتوقف آثار هذا التحول عند حدود النظرية، بل انعكست على السياسات العامة. فقد أصبح الفرد مسؤولًا عن الاستثمار المستمر في ذاته، وعن تحديث مهاراته، وعن المحافظة على "قيمته السوقية". وأصبحت البطالة أو الفشل أو انخفاض الدخل تُفسَّر غالبًا بوصفها إخفاقًا فرديًا في إدارة رأس المال البشري، لا نتيجة لعوامل اجتماعية أو بنيوية أوسع.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين مدرسة شيكاغو وبين ما سماه ماكس فيبر "القفص الحديدي". فإذا كان فيبر قد حذر من هيمنة العقلانية الاقتصادية والبيروقراطية على حياة الإنسان، فإن مدرسة شيكاغو نقلت هذه العقلانية إلى مستوى أكثر شمولًا، حين جعلت من السوق معيارًا لتفسير الإنسان نفسه. ولم يعد القفص الحديدي مجرد نتيجة للعقلنة، بل أصبح مشروعًا يعاد إنتاجه عبر التعليم، والعمل، والسياسات العامة، والثقافة.

لقد أسهم هذا التحول في ظهور ما يمكن تسميته بـ"تشييء الإنسان"، ليس بمعنى أن منظري مدرسة شيكاغو دعوا صراحة إلى إلغاء الكرامة الإنسانية، وإنما لأن منطقهم النظري انتهى عمليًا إلى اختزال الإنسان في وظيفته الاقتصادية، وإعادة تعريف قيمته بقدرته على الإنتاج والمنافسة وتعظيم العائد.

إن النقد الحقيقي لهذا المسار لا يعني رفض الاقتصاد، ولا التقليل من أهمية الاستثمار في الإنسان، بل يعني رفض اختزال الإنسان في بعده الاقتصادي وحده. فالاقتصاد ينبغي أن يكون وسيلة لخدمة الإنسان، لا إطارًا يعيد تعريف الإنسان وفق احتياجات السوق.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نريد اقتصادًا يستثمر في الإنسان لأنه إنسان، أم اقتصادًا يعيد تشكيل الإنسان ليصبح مجرد رأس مال؟