الأنوثة بين فلسفة الكينونة وآفة التنمر: عندما يكون صلاح المرأة صلاحًا للمجتمع

يونيو 29, 2026 - 10:42
الأنوثة بين فلسفة الكينونة وآفة التنمر: عندما يكون صلاح المرأة صلاحًا للمجتمع

الأنوثة بين فلسفة الكينونة وآفة التنمر: عندما يكون صلاح المرأة صلاحًا للمجتمع
قراءة فلسفية وإنسانية في جوهر الأنوثة ودورها الحضاري
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليست الأنوثة زينةً تُرى، ولا هيئةً تُقاس، ولا صورةً تُسوَّق في فضاءات الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وإنما هي قيمة إنسانية وأخلاقية وثقافية تتجسد في المرأة بوصفها شريكًا أصيلًا في صناعة الحياة وبناء الحضارة. فالمرأة ليست نصف المجتمع بالمعنى العددي فحسب، بل هي المدرسة الأولى التي تُشكّل الضمير الإنساني، وتصوغ الشخصية، وتزرع منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع بأسره. وإذا كان صلاح الأسرة يبدأ بالأم، فإن صلاح المجتمع يبدأ بالمرأة الواعية، كما أن اضطراب منظومة القيم لديها ينعكس على الأجيال وعلى البناء الاجتماعي بأكمله.
لقد أدرك الفلاسفة منذ القدم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمظهره، بل بجوهره. ويقول سقراط إن «الجمال الحقيقي هو جمال النفس»، بينما رأى أفلاطون أن الجمال الظاهر ليس سوى انعكاس للجمال الروحي، وأن الفضيلة هي أسمى صور الجمال. أما أرسطو فقد اعتبر أن الفضيلة هي الوسط بين الإفراط والتفريط، وأن الإنسان لا يبلغ كماله إلا إذا توازن العقل مع الأخلاق والسلوك.
وفي العصر الحديث، قدّم إريك فروم في فلسفته الإنسانية نقدًا عميقًا لمجتمع الاستهلاك، مميزًا بين ثقافة «التملك» وثقافة «الكينونة». فمجتمع التملك يقيس الإنسان بما يرتديه، وما يملكه، وكيف يبدو أمام الآخرين، بينما مجتمع الكينونة يقيسه بما يحمله من ضمير، وما يقدمه من عطاء، وما يتحلى به من أخلاق. وفي هذا السياق، تصبح الأنوثة الحقيقية فعلًا إنسانيًا واعيًا، وليست حالة استعراضية عابرة.
إن أخطر ما تواجهه المرأة اليوم ليس فقدان معايير الجمال، بل فقدان معايير القيمة. فقد أصبحت بعض المنصات الرقمية ساحات للمقارنة، والتشهير، والتنمر، وإطلاق الأحكام القاسية بين النساء أنفسهن، حتى غدا التنمر ظاهرة تهدد النسيج الأخلاقي والاجتماعي، وتزرع الكراهية بدل التضامن، والمنافسة السلبية بدل التكامل.
إن المرأة التي تنتقص من امرأة أخرى بسبب شكلها أو مظهرها أو عمرها أو ظروفها الاجتماعية، لا تُضعف ضحيتها وحدها، بل تُضعف صورة المرأة ورسالتها الإنسانية. فالتنمر ليس مجرد إساءة لفظية، بل هو انهيار في منظومة القيم، وفقدان للتعاطف، وإعلان غير مباشر عن أزمة داخلية يعيشها المتنمر نفسه. وقد أثبت علماء النفس، وفي مقدمتهم ألفرد أدلر، أن السلوك العدواني كثيرًا ما يكون تعويضًا عن شعور دفين بالنقص، بينما يرى كارل غوستاف يونغ أن الإنسان الذي لم يتصالح مع ذاته يميل إلى إسقاط صراعاته الداخلية على الآخرين.
إن الأنوثة التي تتحول إلى وسيلة للتقليل من شأن الآخرين، أو إلى أداة للتفاخر والاستعلاء، تفقد معناها الأخلاقي، لأن جوهر الأنوثة ليس في التفوق على النساء، بل في الارتقاء بهن، وليس في المنافسة على المظهر، بل في التنافس على الفضيلة والعلم والإبداع وخدمة المجتمع.
ومن منظور اجتماعي، فإن المرأة ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع، بل هي أحد أعمدته الأساسية. فهي الأم التي تربي، والمعلمة التي تُنشئ، والطبيبة التي تعالج، والقاضية التي تحقق العدالة، والمحامية التي تدافع عن الحقوق، والباحثة التي تصنع المعرفة، والقائدة التي تشارك في رسم مستقبل وطنها. ولهذا فإن أي خلل في منظومة القيم التي تحكم دورها لا يقف عند حدودها الشخصية، بل يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع والدولة.
ومن هنا، فإن صلاح المرأة ليس شعارًا أخلاقيًا مجردًا، بل هو ضرورة حضارية. وعندما نتحدث عن الصلاح، فإننا لا نعني الوصاية على المرأة أو تقييد حريتها، وإنما نعني ترسيخ قيم الصدق، والرحمة، والعدل، والاحترام، والمسؤولية، والوعي، وهي قيم إنسانية مشتركة لا تختص بجنس دون آخر.
ولعل من أخطر مظاهر العصر أن تتحول المرأة من صانعة للوعي إلى أسيرة لصناعة الصورة، ومن حاملة للقيم إلى باحثة عن القبول الاجتماعي بأي ثمن. وهنا تتجلى أهمية التربية والثقافة والإعلام في إعادة الاعتبار لفلسفة الكينونة، بحيث تُقاس المرأة بما تضيفه إلى الحياة، لا بما تحققه من حضور افتراضي أو إعجاب رقمي.
إن المجتمعات القوية لا تُبنى بجمال الوجوه، وإنما بجمال الضمائر، ولا تزدهر بالمنافسة على المظاهر، بل بالتعاون على القيم. وعندما تدرك المرأة أن قوتها الحقيقية تكمن في عقلها، ورسالتها، وأخلاقها، واحترامها لذاتها ولغيرها، فإنها تستعيد جوهر أنوثتها، وتصبح عنصرًا فاعلًا في بناء مجتمع أكثر عدلًا ورحمة وتماسكًا.
وفي النهاية، تبقى الأنوثة الحقيقية رسالة حضارية قبل أن تكون صفة بيولوجية، وقيمة أخلاقية قبل أن تكون مظهرًا خارجيًا. إنها القدرة على احتضان الحياة، وصناعة الأمل، وإشاعة الرحمة، والدفاع عن الكرامة الإنسانية. أما التنمر، والكراهية، والحسد، والاستعلاء، فهي جميعًا تشوه هذا الجوهر، وتنتزع من الأنوثة معناها الإنساني العميق.
فصلاح المرأة هو صلاح للأسرة، وصلاح الأسرة هو صلاح للمجتمع، وصلاح المجتمع هو أساس نهضة الأمم. وكل مشروع حضاري حقيقي يبدأ من إنسان يعرف قيمة نفسه، ويحترم قيمة غيره، ويؤمن بأن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالمظهر، وإنما بما يحمله الإنسان من فضيلة، ووعي، ورحمة، وإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين