من المفكر منير شفيق الى د. أكرم البرغوثي، رحلة العمر من حفر الصخر إلى حراسة الوعي وتوريث المعرفة.
محمد قاروط أبو رحمه
من المفكر منير شفيق الى د. أكرم البرغوثي، رحلة العمر من حفر الصخر إلى حراسة الوعي وتوريث المعرفة.
محمد قاروط أبو رحمه
(الملخص: في العلاقة بين العقلية والمنهج. يقدم هذا المقال خلاصة تأمل معرفي نضج على مدى نصف قرن، وتوجّه حوار هاتفي عميق مع الأكاديمي والناشر الدكتور أكرم البرغوثي حول كتابي الجديد الخماسيات السبعة. يتمحور المقال حول أطروحة أساسية: العقلية تصنع المنهج وتختاره، والمنهج يقف حارساً وضابطاً على العقلية. ويهدف الطرح إلى دمج الذات التجريبية بالمسار الأكاديمي التوريثي، لتحويل التجربة الوطنية التحررية من مجرد انطباعات شخصية إلى معرفة موضوعية منظمة تتوارثها الأجيال في مواجهة المشروع الصهيوني)
تستغرق الأفكار الكبرى عقوداً من الزمن لكي تستقر في وعي الإنسان كحقائق مجسدة. في منتصف عشرينيات العمر، وقفتُ طويلاً أمام مقولة المفكر منير شفيق وهو يصف المنهج قائلاً: "المنهج هو الطريق الذي تحفره بالإبرة في الصخر، ثم تصبح أسيره". واليوم، وأنا على بعد عام واحد من دخول "نادي السبعين"، تتلألأ هذه العبارة في ذهني بوضوح كامل، وتتجلى لي أبعاد تلك العلاقة الجدلية العميقة بين "العقلية" و"المنهج"، وكيف يتكاملان مع "العقل" و"الفكر" في مشروع يدمج بين الذات التجريبية والأكاديمية التوريثية. ان ما حفزني ويدفعني اليوم إلى هذا التوثيق والتوريث الفكري، هو ذلك الإلحاح الصادق والترديد المستمر من قِبل الأكاديمي المتخصص الدكتور أكرم البرغوثي (صاحب الدكتوراه في الإعلام وصاحب دار نشر) وهو يقول لي دائماً بيقين معرفي: "أنت صاحب منهج". وقد تجسد هذا الاعتراف المهني مؤخراً عندما أرسلتُ إليه مسودة كتابي الجديد بعنوان: "الخماسيات السبعة: الفكر الوطني التحرري في مواجهة المشروع الصهيوني"، حيث استأذنني حينها في خطوة ذات دلالة علمية عميقة، وهي أن يضع في قراءته للكتاب كلمة (المنهج) بين قوسين إلى جوار كلمة "العقلية". من تلك اللحظة، ومن رحم حوار هاتفى عميق ومطول دار بيننا حول تفكيك هذين المفهومين، تبلورت هذه الخلاصة الفكرية لتوثيق رأيي ونتاج تدبرنا المشترك.
أولا: ضبط المفاهيم (أركان صناعة الوعي)
لفهم هذه المنظومة الرباعية التي تدير الوعي البشري، لا بد من تفكيك وتعريف كل مفردة منها:
العقل: هو القوة الإدراكية الفطرية، والآلة التي وهبها الله للإنسان للربط بين المقدمات والنتائج. إنه "المحرك"
الفكر: هو المادة الخام والحصيلة المعرفية الناتجة عن حركة العقل وتفاعله مع واقع الصراع. إنه "الوقود والمضمون".
العقلية: هي التوجه الداخلي الخفي، والوعاء الفكري المرتبط بالقناعات والقيم والثوابت الوطنية. هي "العدسة" الذاتية التي يرى الفرد من خلالها الصراع، ومنها تنبثق التجربة الإنسانية المعاشة.
المنهج: هو الطريق الإجرائي المنظم والقواعد الصارمة التي تحكم الفكر. إنه الميزان "الأكاديمي المنطقي التجريبي" الذي يحول الخواطر الشخصية والرؤى السياسية إلى قوانين معرفية قابلة للتوريث والتدريس عبر الأجيال.
ثانيا: شجرة التفاعل (من العقل إلى المنهج):
تبدأ الدورة المعرفية من العقل؛ هذا المحرك الأساسي الذي يشتغل بالتدبر والتحليل ليولد الفكر (المادة الخام). لكن هذا الفكر يظل مشتتاً ما لم يمر عبر العقلية (التوجه الداخلي) التي تقوم بغربلته وصبغه بصبغة قيمية واتجاه محدد (كالفكر الوطني التحرري). هنا، وبناءً على توجه العقلية، يتم نحت المنهج؛ وهو ذلك الطريق الشاق الذي يُحفر بالإبرة في صخر الواقع المعقد، ليصبح القناة الرسمية التي يعبر من خلالها الفكر إلى النور في قوالب منتظمة ومحكمة كـ "الخماسيات السبعة".
ثالثاً: العقلية تختار، والمنهج يحرس
إن الخلاصة الحكيمة التي تتضح للإنسان بعد رحلة عمر مديدة، والتي نضجت في الحوار الهاتفي مع الدكتور البرغوثي، هي أن العلاقة بين العقلية والمنهج هي علاقة تلازم وتبادل أدوار: العقلية تصنع المنهج وتختاره: التوجه الداخلي للإنسان وقناعاته العميقة في مواجهة المشروع الصهيوني هي التي تملي عليه أسلوب حفر طريقه في الحياة والعمل والكتابة. الشخص الذي يملك عقلية تحررية تبحث عن اليقين والعمق لا يرضى بالمواقف العشوائية أو القراءات السطحية، بل ينحت لنفسه منهجاً صارماً يليق بجسامة المعركة الفكرية.
المنهج يقف حارساً على العقلية:
بعد أن يُبذل الجهد المضني في تشييد المنهج وصياغة قواعده، يتحول إلى "حصن". إنه يصبح حارساً صارماً يقف على بوابات العقلية ليحميها من الانزلاق وراء الأهواء، أو الهزيمة النفسية، أو التناقض، أو الإنحيازات المؤقتة. المنهج يضمن أن تظل العقلية وفية لمنطلقاتها التحررية الأولى وثوابتها الاصلية.
رابعا: الدمج بين الذات والأكاديمي (توريث الحكمة التحررية)
إن القيمة الكبرى لرحلة العمر على عتبة السبعين لا تكتمل إلا بالدمج بين مسارين:
الذات (التجربة): وهي المعاناة الحية، واختبار الأفكار الوطنية على أرض واقع الصراع، والدروس التي دفع الإنسان ثمنها من عمره ووحي تجربته الخاصة.
الأكاديمي (توريث المعرفة): وهي القوالب العلمية، والأدوات المنهجية، واللغة الرصينة التي ألحّ عليها الدكتور أكرم، والتي تحول تلك "التجربة الذاتية" من مجرد انطباعات شخصية إلى "معرفة موضوعية" قابلة للتداول، والنقد، والتوريث للأجيال القادمة لتستعين بها في الصراع التحرري.
حين تلتقي العقلية المجربة بالمنهج الأكاديمي، يتحول المؤلف من مجرد "ناقل معلومات" أو كاتب سياسي عابر، إلى "مورّث حكمة وثبات". فالأكاديمية تمنح التجربة التحررية شرعيتها ونظامها، والتجربة تمنح الأكاديمية روحها وحيويتها ونبضها الحي في مواجهة المشروع الصهيوني.
خاتمة: على أعتاب السبعين، يتضح لي تماماً أن "المنهج" ليس مجرد ترف أكاديمي جاف يُدرس في قاعات الجامعات، بل هو أسلوب حياة، وحارس الوعي الأكبر، وأداة المقاومة الفكرية الأبقى. إن العقلية الواعية والملتزمة هي التي تملك الشجاعة لتحفر طريقها بالإبرة في صخر المعرفة والواقع، والمنهج المتماسك (العقلية) هو الأداة الأكاديمية والعملية التي تضمن تحويل هذا الحفر الذاتي الشاق إلى إرث معرفي وطني خالد تتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل.



