الأزمة الصحية الفلسطينية بين الحقوق النقابية وحقوق المرضى: الحاجة إلى مقاربة وطنية شاملة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

يونيو 7, 2026 - 17:19
الأزمة الصحية الفلسطينية بين الحقوق النقابية وحقوق المرضى: الحاجة إلى مقاربة وطنية شاملة

الأزمة الصحية الفلسطينية بين الحقوق النقابية وحقوق المرضى: الحاجة إلى مقاربة وطنية شاملة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تشكل الأزمة التي يشهدها القطاع الصحي الفلسطيني اليوم واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، ليس فقط لأنها تتعلق بخلافات مهنية ونقابية بين الحكومة ونقابة الأطباء، وإنما لأنها تمس بصورة مباشرة حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وهو الحق في الحصول على الرعاية الصحية والعلاج. ومع وصول الإضراب إلى مراحل متقدمة أثرت على سير العمل في عدد من المرافق الصحية واللجان الطبية والخدمات العلاجية، باتت تداعيات الأزمة تتجاوز حدود الخلاف المهني لتتحول إلى قضية مجتمعية ووطنية تستوجب وقفة جادة ومسؤولة من جميع الأطراف.
فالقطاع الصحي لا يمثل مجرد مؤسسة خدمية، بل يشكل أحد أهم ركائز الأمن الوطني والاجتماعي والإنساني، وأي خلل يصيبه ينعكس مباشرة على حياة المواطنين واستقرار المجتمع وثقة الناس بمؤسساتهم. ومن هنا فإن معالجة الأزمة الراهنة لا يمكن أن تتم من زاوية المطالب النقابية وحدها، ولا من زاوية الإمكانات المالية للحكومة فقط، بل من خلال رؤية شاملة تضع المواطن والمريض في مركز الاهتمام باعتباره الغاية الأساسية التي وجدت من أجلها المنظومة الصحية بأكملها.
لا خلاف على أن للأطباء حقوقاً مهنية ونقابية عادلة يكفلها القانون، وأن تحسين ظروف العمل وتطوير البيئة الصحية يمثلان مصلحة عامة تنعكس إيجاباً على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. كما لا يمكن تجاهل الظروف المالية والاقتصادية الصعبة التي تواجهها الحكومة الفلسطينية في ظل التحديات السياسية والاقتصادية المتراكمة. غير أن الحقيقة التي لا تقل أهمية عن ذلك هي أن المريض الفلسطيني ليس طرفاً في هذا الخلاف، ومع ذلك يجد نفسه الطرف الأكثر تأثراً بنتائجه وتداعياته.
وخلال الأيام الأخيرة تزايدت معاناة المرضى، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن والمرضى الذين يحتاجون إلى مراجعات دورية أو تقارير طبية أو تحويلات علاجية أو أدوية أساسية لا تحتمل التأجيل. وقد انعكست هذه الحالة في حالة من القلق والاستياء الشعبي، إذ يشعر المواطن أن حقه في الوصول إلى الخدمة الصحية أصبح رهينة لأزمة تتجاوز قدرته على التأثير فيها أو المساهمة في حلها.
وفي هذا السياق يبرز تساؤل مهم يتعلق بطبيعة العلاقة بين الحق في الاحتجاج والمطالبة بالحقوق المهنية من جهة، وحق المواطنين في التعبير عن تضررهم من تداعيات تلك الإجراءات من جهة أخرى. فقد شهدت الساحة في مراحل سابقة جدلاً واسعاً إثر تعرض أحد المواطنين للمساءلة بعد اعتراضه على تداعيات إغلاق أحد أقسام الطوارئ وتعبيره عن الضرر الذي لحق به نتيجة ذلك. أما اليوم، ومع اتساع نطاق الأزمة وتزايد أعداد المتضررين من تعطل الخدمات الصحية، فإن المشهد لم يعد يقتصر على حالة فردية، بل أصبح هناك مئات وربما آلاف المواطنين الذين يعبّرون بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن قلقهم واستيائهم من الواقع القائم.
ولا يُطرح هذا الأمر من باب توجيه اللوم لأي جهة، وإنما من باب التأكيد على أن صوت المريض يجب أن يكون جزءاً من أي حوار وطني جاد يبحث عن حلول للأزمة. فكما أن للأطباء الحق في الدفاع عن مطالبهم المهنية، فإن للمرضى والمواطنين الحق في التعبير عن احتياجاتهم ومخاوفهم المرتبطة بحقهم في العلاج والرعاية الصحية. والغاية من ذلك ليست خلق حالة من الاستقطاب، وإنما ضمان أن تكون جميع الأصوات المتأثرة بالأزمة حاضرة على طاولة البحث والحلول.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: من هو الضامن لحقوق المرضى في أوقات الأزمات؟ ومن الجهة التي تمثل احتياجاتهم وتدافع عن مصالحهم عندما تتداخل الاعتبارات المهنية والإدارية والمالية مع حقهم في العلاج؟
هذا السؤال يقودنا إلى مراجعة الدور الذي يفترض أن تضطلع به المجالس الاستشارية الصحية والهيئات المختصة بحقوق المرضى ومؤسسات المجتمع المدني والجهات الرقابية ذات العلاقة. فهذه المؤسسات لم تُنشأ لتكون مجرد أطر شكلية أو استشارية، بل لتكون صوتاً للمواطن وجسراً بين متلقي الخدمة وصانع القرار، وللمساهمة في تطوير السياسات الصحية ورصد أوجه القصور والعمل على معالجتها.
كما كشفت الأزمة الحالية عن حاجة ملحة لإعادة النظر في منظومة إدارة الأزمات داخل القطاع الصحي الفلسطيني. فالدول التي تمتلك أنظمة صحية قوية لا تقاس قدرتها بعدد المستشفيات أو الكوادر الطبية فقط، وإنما بمدى جاهزيتها للحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية في الظروف الاستثنائية. والأزمات الحالية تطرح تساؤلات جوهرية حول وجود خطط طوارئ مستدامة تضمن استمرار تقديم الخدمات الحيوية للمرضى حتى في ظل الخلافات المهنية أو الضغوط المالية.
وتزداد أهمية هذه المراجعة في ظل التحديات المتراكمة التي يواجهها القطاع الصحي، بدءاً من أزمة التمويل وتراكم الديون المستحقة لموردي الأدوية والمستلزمات الطبية، مروراً بأزمة التحويلات الطبية ومديونية المستشفيات الخاصة، وصولاً إلى النقص المتكرر في العديد من الأدوية والعلاجات الأساسية. وهي تحديات لم تنشأ مع الإضراب الحالي، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً بفعل الأزمة الراهنة، الأمر الذي يستدعي معالجة استراتيجية شاملة تعالج جذور المشكلات لا مظاهرها فقط.
إن المطلوب اليوم ليس البحث عن منتصر أو خاسر في هذه الأزمة، وإنما البحث عن آلية تضمن حقوق الجميع وتحافظ على استقرار المنظومة الصحية. فالأطباء يشكلون العمود الفقري للنظام الصحي، والحكومة تتحمل مسؤولية إدارة الموارد وتوفير الإمكانات، أما المريض فهو الغاية النهائية لكل هذه الجهود. وعندما تتراجع الخدمة الصحية أو تتعطل، فإن الخسارة لا تصيب طرفاً بعينه، بل تطال المجتمع بأسره.
وفي المحصلة، فإن الأزمة الصحية الفلسطينية الحالية يجب أن تكون فرصة لمراجعة شاملة للسياسات الصحية وآليات التمويل والإدارة والحوكمة وتعزيز الشراكة بين مختلف الأطراف، وصولاً إلى بناء نظام صحي أكثر قدرة على الصمود والاستجابة للأزمات. كما يجب أن تشكل حافزاً لتفعيل دور المؤسسات الاستشارية والرقابية والمدنية بما يضمن حضور صوت المرضى في كل مراحل صنع القرار.
ويبقى المبدأ الأهم الذي ينبغي أن يحكم الجميع هو أن الحق في الصحة والعلاج ليس امتيازاً يمنح للمواطن، بل حق أصيل يجب حمايته وصونه في مختلف الظروف. فنجاح أي نظام صحي لا يقاس فقط بقدرته على العمل في الأوقات الطبيعية، وإنما بقدرته على حماية الإنسان والحفاظ على كرامته وحقه في العلاج عندما تشتد الأزمات وتتعاظم التحديات. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح السؤال الذي ينتظر المجتمع إجابته: كيف يمكن بناء معادلة تحقق العدالة للأطباء، والاستقرار للمؤسسات، والأمان الصحي للمواطن؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يجب أن تتوحد الجهود الوطنية لمعالجته.