الشغف الفلسطيني: من تحقيق الطموح إلى البحث عن الأمان الجمعي
د.حسن بشارات
الشغف الفلسطيني: من تحقيق الطموح إلى البحث عن الأمان الجمعي
الشغف لا يُعتبر فقط الحب الموجّه والمحدد، بل هو دافعية للإنجاز وشعور بمعنى الحياة من خلال الطاقة النفسية التي يمتلكها الفرد، والتي تدفعه لاستثمار وقته وجهده بهدف تحقيق أحلام وطموحات يتدرج بها نحو الإحساس بهويته. فكلما أنجز أمراً أحس بالإنجاز وتقدير الذات، وانتقل بهذا الشغف إلى آخر.
في الحياة الطبيعية، يتغذى الشغف من عناصر صُنّفت بأنها احتياجات أساسية للإنسان، كما هو موضح في هرم ماسلو للاحتياجات. تبدأ بقدرة الفرد على الإحساس بالأمان في العالم الذي يحيا فيه، وامتلاكه القدرة على التنقل والعمل وكسب عيشه والعودة إلى عائلته التي تنتظره، ليحلق بهم ومعهم نحو مستقبل يعزز لديه تقديره لذاته، وبالتالي شعوره بالرضا بأنه يمتلك قدرات وتأثيراً مع وضوح الأفق للمستقبل.
وإذا ما تعرضت هذه العناصر لخلل لفترات طويلة، يبدأ الشغف بالتراجع، وهذا لا يعني بالضرورة أن الفرد فقد قيمه وأحلامه، بل بسبب انشغال الجهاز النفسي بالبقاء أكثر من النمو.
ففي السياق الفلسطيني، وضمن الظروف الاستثنائية التي يحياها الفلسطيني مع كل أدوات القهر والتضييق والمصادرة والقتل والاعتقال، يبدو أن الشغف بدأ بتغيير مساره نحو تساؤلات: هل أنا وعائلتي بأمان؟ هل هناك أفق للاستقرار؟ هل هناك دخل يلبي احتياجات العائلة؟ وتضاءلت التساؤلات المرتبطة بالطموح والإنجاز والإبداع. وهذا لا يعني أن الفلسطيني افتقد قدراته ومهاراته وكفاءته المهنية، بل إن نظامه العقلي يوجّه كل تلك الإمكانيات نحو البقاء في الوقت الراهن، مما عطّل التخطيط للمستقبل بسبب الأحداث العنيفة الدائرة في الأراضي الفلسطينية.
ولا شك أن الفلسطيني يحيا ضمن صدمة نفسية مزمنة ومستمرة، وهذه الصدمة كافية لأن تشعر الفرد بالإرهاق النفسي المستمر، وبالتالي فقدانه الاهتمام بالتخطيط وانطفاء حماسه للأنشطة التي كانت تشكل متعة له سابقاً. فيصبح العقل في حالة استنفار دائم، ويزداد القلق، وتُستهلك الطاقة التي كانت تُستثمر في الإبداع والشغف.
في كل الأحوال، لا يمكن الحكم على فقدان الشغف لدى أغلب الفلسطينيين، ضمن هذه الظروف الممتدة، على أنه ضعف إرادة أو انهزام، بل هو استجابة نفسية واجتماعية نتيجة الضغوط المستمرة التي حوّلت الشغف ليصبح أقل ارتباطاً بالطموح الشخصي وأكثر ارتباطاً بالبقاء الجمعي والاستمرار في الحياة، معززاً بذلك الصمود على الأرض في وجه آلة بطش الاحتلال الإسرائيلي، ومؤجلاً، حتى إشعار آخر، الطموحات الشخصية لأن الواقع يفرض توجيه الطاقة النفسية نحو الأولويات.
وتشير نظريات علم النفس إلى أن الشغف يتأثر بالخوف والقلق وفقدان الأمل والإرهاق والضغط، وأن المحافظة على الشغف لا تتم بإجبار النفس على الحماس والإنجاز، بل بقدرة الفرد على حماية نفسه من العوامل المغذية لفقدانه.
لذلك تحدثت النظرية المعرفية السلوكية عن أن إهدار الطاقة في أمور لا يمكننا السيطرة عليها هو مصدر إحباط وقلق دائم. ومن هنا نحتاج إلى السيطرة على الأفكار، وبدلاً من إشغال العقل بتساؤلات: ماذا سيحدث بعد؟ يُفضّل السؤال: ما هي الخطوة التالية التي أستطيع فعلها الآن؟ ومن ثم تجزئة الأهداف لتصبح مقبولة وغير مستحيلة، بما يعزز الشعور بالإنجاز اليومي أو الأسبوعي، والابتعاد عما يهدر الطاقة النفسية التي يحتاجها الشغف للإنجاز والإحساس بالقيمة. فمثلاً، إن متابعة الأخبار المقلقة والوضع الاقتصادي المتدني والانشغال المستمر بهما يضعف فترات النوم ويطيل فترات الضغط. وأخيراً، ربط الشغف بالمعنى وقيمة ما يراد فعله وأثره، لا بالمزاج المتغير يومياً.
د.حسن بشارات



