ما بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح: الانتصار للفكرة الوطنية وتجاوز استحقاقات المرحلة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

مايو 31, 2026 - 09:43
ما بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح: الانتصار للفكرة الوطنية وتجاوز استحقاقات المرحلة

ما بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح: الانتصار للفكرة الوطنية وتجاوز استحقاقات المرحلة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يكن المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" حدثاً تنظيمياً عادياً في حياة الحركة، بل جاء في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً وخطورة في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصرة. فقد انعقد في ظل حرب مفتوحة على الوجود الفلسطيني، وتصاعد غير مسبوق للمشاريع الاستيطانية والضم، ومحاولات إسرائيلية حثيثة لإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي الفلسطيني بما يهدد أسس المشروع الوطني برمته.
وفي مثل هذه الظروف التاريخية، لا تُقاس أهمية المؤتمرات الوطنية بعدد القرارات التي تصدر عنها أو بالأسماء التي تتقدم إلى مواقع القيادة، بل بقدرتها على تجديد المشروع الوطني وتعزيز وحدة الحركة وتمكينها من مواجهة التحديات الوجودية التي تعصف بالشعب الفلسطيني وقضيته.
لقد أفرز المؤتمر الثامن قيادة جديدة ومؤسسات تنظيمية جديدة، وهو أمر طبيعي في حياة الحركات السياسية. غير أن القيمة الحقيقية للمؤتمر لا تكمن في الأسماء التي فازت أو تلك التي لم يحالفها الحظ، وإنما في الرسالة السياسية والتنظيمية التي يجب أن تترسخ في الوعي الفتحاوي والوطني، ومفادها أن حركة فتح أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع، وأعمق من الحسابات الآنية مهما كانت أهميتها.
إن الحركات الوطنية الكبرى لا تستمد شرعيتها من الأفراد، بل من تاريخها ونضالاتها وقدرتها على التعبير عن تطلعات شعبها. وهذا ما أثبتته فتح طوال ستة عقود من العمل الوطني، حيث واجهت انشقاقات وأزمات وحروباً وحصارات واغتيالات وتغيرات إقليمية ودولية كبرى، لكنها بقيت حاضرة لأنها كانت تمثل فكرة وطنية جامعة قبل أن تكون إطاراً تنظيمياً.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الحركة بعد المؤتمر لا يتمثل في إدارة نتائج الانتخابات الداخلية فحسب، بل في كيفية تحويل مخرجات المؤتمر إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من العمل الوطني والتنظيمي، تقوم على استعادة روح الحركة المؤسسة، وتعزيز وحدتها الداخلية، وتجديد ثقة الجماهير بها باعتبارها حركة التحرر الوطني الفلسطينية التي حملت لواء المشروع الوطني لعقود طويلة.
لقد أظهرت التجارب التاريخية أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الحركات الوطنية بعد مؤتمراتها الكبرى هو استمرار حالة الاستقطاب الداخلي، أو تحويل التنافس الديمقراطي إلى حالة من الاصطفاف الدائم. فالتنافس ينتهي بانتهاء الاستحقاق التنظيمي، أما المسؤولية الوطنية فتبدأ بعده. ولذلك فإن الحكمة السياسية والتنظيمية تقتضي تجاوز حالة الاصطفاف، وطي صفحة المنافسة الداخلية، والانخراط في ورشة عمل وطنية وتنظيمية موحدة عنوانها حماية الحركة وتعزيز دورها الوطني.
إن فتح اليوم ليست بحاجة إلى منتصرين ومهزومين داخل صفوفها، بل بحاجة إلى شراكة حقيقية بين جميع أبنائها، وإلى استثمار الخبرات التاريخية إلى جانب الطاقات الشابة، وإلى إعادة بناء الثقة الداخلية على قاعدة الاحترام المتبادل والالتزام بالنظام الداخلي والاحتكام للمؤسسات. فالحركة التي تقود مشروعاً وطنياً بحجم القضية الفلسطينية لا تستطيع أن تسمح للخلافات التنظيمية بأن تستنزف طاقاتها في لحظة تواجه فيها القضية الفلسطينية أخطر مراحلها.
كما أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة ترتيب الأولويات. فالمعركة الأساسية ليست داخل أطر الحركة، بل مع الاحتلال وسياساته الهادفة إلى تكريس الأمر الواقع وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. ومن هنا فإن أي انشغال بالصراعات الجانبية أو الحسابات الشخصية يمثل خدمة مجانية للمشاريع التي تستهدف وحدة الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية.
إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج من المؤتمر الثامن هي أن فتح لا تزال قادرة على تجديد نفسها من داخلها، وأن قوتها الحقيقية تكمن في وحدتها وتنوعها وانفتاحها على مختلف مكونات الشعب الفلسطيني. كما أن نجاح المؤتمر لا يكتمل إلا بقدرة الحركة على ترجمة مخرجاته إلى سياسات وبرامج تعزز حضورها الشعبي وتدعم صمود المواطنين وتدافع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية في مختلف المحافل.
ومن منظور استراتيجي، فإن مستقبل فتح مرتبط بقدرتها على استعادة دورها التاريخي كحركة تحرر وطني جامعة، تجمع بين المقاومة الشعبية المشروعة والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، وتتمسك بالثوابت الوطنية وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
إن دروس التاريخ الفلسطيني تؤكد أن الأشخاص مهما بلغت مكانتهم وتأثيرهم يرحلون، بينما تبقى الفكرة الوطنية الصادقة. لقد رحل القادة المؤسسون الذين صنعوا مجد الحركة الوطنية الفلسطينية، لكن فتح بقيت لأنها كانت مشروعاً وطنياً متجدداً لا يرتبط بأفراد بل بقضية وشعب وتاريخ ونضال مستمر.
ولهذا فإن المطلوب اليوم من جميع أبناء الحركة، قيادةً وكوادر وقواعد، الارتقاء فوق الجراح والخلافات، والتخلي عن منطق المحاور والتكتلات، والانتصار لفتح الفكرة وفتح المشروع الوطني وفتح التاريخ. فالمواقع تكليف وليست تشريفاً، والمسؤولية الوطنية أكبر من أي مكسب شخصي أو تنظيمي، والانتماء الحقيقي للحركة يُقاس بما يقدمه الفرد لفلسطين ولشعبها، لا بما يحصل عليه من مواقع أو امتيازات.
لقد كان المؤتمر الثامن محطة مهمة في مسيرة الحركة، لكن التحدي الأكبر يبدأ بعد انتهاء المؤتمر. فالرهان الحقيقي ليس على ما جرى داخل قاعة المؤتمر، بل على ما ستفعله الحركة بعده. وإذا نجحت فتح في تحويل مخرجات المؤتمر إلى فرصة لتعزيز الوحدة وتجديد المشروع الوطني واستعادة المبادرة السياسية والتنظيمية، فإنها ستكون قد انتصرت ليس فقط لاستحقاق تنظيمي، بل لدورها التاريخي ولرسالتها الوطنية التي حملتها منذ انطلاقتها.
وفي زمن تتعرض فيه القضية الفلسطينية لمحاولات التهميش والتصفية، تبقى الحاجة ماسة إلى فتح قوية وموحدة ومتجددة، تستمد قوتها من شعبها ومن تاريخها ومن عدالة قضيتها، وتنتصر لفلسطين قبل الأشخاص، وللوطن قبل المواقع، وللمستقبل قبل الحسابات الضيقة. فهذه هي الرسالة التي يجب أن يحملها ما بعد المؤتمر الثامن، وهذه هي المسؤولية التي تفرضها المرحلة على الجميع.