مابين الأمس واليوم… الثبات ليس مطلقاً

د. حسن بشارات

مايو 24, 2026 - 09:41
مابين الأمس واليوم… الثبات ليس مطلقاً

مابين الأمس واليوم… الثبات ليس مطلقاً

ما بين الأمس واليوم، يبدو أن الثبات ليس حقيقة مطلقة، وأن المواقف قد تتبدل في لحظات، تبعاً لما تفرضه الإشاعة أو ما تصنعه المصالح.

في فيلم السفارة في العمارة لعادل إمام، تجلّى هذا المشهد بوضوح لافت، فقد كان الهتاف الأول: “شريف خيري رمز الصمود” حين رفض التعاون، وتحمل الظلم والابتزاز والمضايقة، ثم انقلب الهتاف خلال ساعات إلى: “شريف خيري خائن… عميل” عندما راجت إشاعة بأنه رضخ للمطالب تحت وطأة الضغط ذاته.

ليس المهم هنا مجريات الفيلم بقدر ما استوقفني ذلك التحول الفوري في اتجاه “الأصدقاء”، وكيفية تعاطيهم مع رفيقهم الذي كان يواجه النار وحده. كل ما فعلوه كان تجييشاً واستثماراً لأزمة، سيخرجون منها منتصرين مهما كان الثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب حياة بطلهم الافتراضي، الذي تحوّل من رمز إلى وسيلة لتحقيق طموحاتهم، بينما بقي هو الخاسر الوحيد.

لقد أشار  سيغموند فرويد  إلى الآليات الدفاعية التي يلجأ إليها الإنسان عندما يعجز عن إحداث توازن بين متطلبات الضمير واحتياجات الذات. فوصف جملةً من المبررات النفسية، كالإزاحة، حيث يُنقل الفعل إلى سبب غير حقيقي، أو الإسقاط، حين تُلقى المسؤولية على شخص آخر لتجنب الألم واللوم، أو الكبت، حين تُدفن المشاعر والأفكار التي تثير شعوراً بالذنب أو تتعارض مع ما يقبله المجتمع.

غير أن هذه الآليات لا تدوم إلى الأبد؛ فهي قد تظهر لاحقاً في زلات اللسان، أو على شكل قلق مزمن غير مبرر، أو في أعراض جسدية ونفسية كامنة، وربما تتحول مع الوقت إلى محفزات لصدمات أعمق.

أما القمع، بوصفه إحدى أبرز هذه الآليات الدفاعية، فقد كان ولا يزال حاضراً بقوة في واقعنا؛ إذ يعمل العقل على حجب الأحداث المؤلمة والصدمات، ودفعها إلى منطقة اللاوعي، كي يتمكن الفرد من مواصلة السير في حياته اليومية رغم إدراكه الكامل لحجم الألم. لكن هذه الذكريات لا تختفي، بل تبقى كامنة برموزها وإشاراتها، حاضرة كلما استُدعيت بحدث أو مشهد أو ذكرى.

وفي هذا السياق، بدا المؤتمر الثامن لحركة فتح كاشفاً لكثير من الوجوه، ومظهراً لبعض الشخصيات التي مثلت بسلوكها تجليات تلك الآليات الدفاعية الفرويدية، فتلونت مواقفها وتبدلت وجوهها، بين تخوينٍ  وتمجيدٍ تارة أخرى، دون أن يكون لها من الواقع النضالي الممتد عبر عقود سوى صدفة القدر، أو حاجة من كلّف، أو رغبة ممن اؤتمن على تمرير ما أراد عبر عقول الآخرين.

وخلاصة القول، أن الطيور قد طارت بأرزاقها، لكن أثرها يبقى حاضراً في كل محفل، وفي كل ذكرى سمعية أو بصرية.

وتبقى الحقيقة الثابتة، ليس كل من كان صديق الأمس، بالضرورة، صديق اليوم.

د. حسن بشارات