المؤتمر الثامن ٠٠و"تحدي المسؤولية"!
من قلم: عمرو العملة٠
المؤتمر الثامن ٠٠و"تحدي المسؤولية"!
من قلم: عمرو العملة٠
كاتب وباحث في المشكلات الإقليمية والعالمية المعاصرة ٠
تشكل الخلافات والنزاع الدائر حالياً داخل حركة فتح ؛ خاصة مع " المبعدين" من المؤتمر ؛ تطورات حرجة ؛ لا بد أن تؤلم من تهمه مسيرة حركة فتح ؛ لما تمثله من " مضغة" الجسد الفلسطيني ؛ إن صلحت صلح الجسد كله؛ وما يرتبط بذلك؛ مستقبل القضية الفلسطينية؛ بمختلف جوانبها ٠
وفي وقت قد يصعب العثور فيه على أي نواحٍ إيجابية في هذه الحالة ؛ إلى جانب ؛مجمل التحديات التي باتت تواجهها الحركة؛ والتي لم تعد خافية على أحد ؛ خاصة وأن المؤتمر ينعقد في ظروف ؛ لعلها الأقسى والأكثر مصيرية ؛ على الإطلاق في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني الطويل ؛ من أجل استرداد أرضه وحقوقه ؛فإن ذلك لا يعني بالضرورة ؛ أن حركة فتح التي عودتنا سابقاً ؛لأن تكون صاحبة كل مبادرة؛ لن تكون قادرة ؛ على تجاوز المحنة الراهنة التي تواجهها ؛ وتضاعف من قدرتها ؛ في مواجهة هذه التحديات ؛وتجديد مسيرتها ؛ نحو تحقيق الأهداف التي سعت في سبيلها ؛ طيلة عقود ست ؛ من النضال المتواصل ٠
ومهما كانت صعوبة التكهن مسبقاً بما قد تسفر عنه ؛ جلسات المؤتمر ؛ من مناقشات ومواقف ومقررات؛ فإنه قد يكون من المفيد ؛ التذكير بعدد من المعطيات الأساسية ؛ هي من الإلحاح والأهمية بمكان ؛ بات معها المؤتمر اليوم ،مطالب بضرورة مواجهتها والإستجابة إلى مقتضياتها وأعبائها ؛ تشكل محوراً؛ للعمل الفتحوي ؛ وقاعدة لإستمراريته ؛ كفيل بقيام وضع فلسطيني مستقبلي ؛ أصلب وأقوى ٠
فهل سيستجيب المجلس وأركانه إلى هذه التحديات:
١- لعل اول ما يتبادر إلى الذهن ؛ حول مهمات المؤتمر ؛ في المرحلة الراهنة ؛؛ حقيقة التعامل مع مستقبل الصراع ؛ على ضوء حرب غزة ونتائجها؛والتفجيرات العسكريةوالسياسيةالدراماتيكية المتسارعة في المنطقة ؛ ولعل الإستجابة الأولى في هذا المجال؛قد لا تكون إتخاذالمواقف
؛من المبادرات المطروحة؛بقدر ما تستدعي تطوير سياسات واقعية
؛ قابلة للتنفيذ فعلاً على ساحة الصراع وميادينه المختلفة ؛ بعبارة أخرى أكثر وضوحاً ؛ المطلوب هنا ليس البحث والنقاش والإختلاف حول مبادرات الغير ؛ وبالتالي الوقوف عند تلك المبادرات ؛ أو التأكيد على المبادىء والإلتزامات ؛ أو الخضوع للإملاءات ؛دون نتيجة ترجى؛ بل الوصول إلى استراتيجية ذاتية للعمل؛ تتضمن تحديداً واضحاً للأهداف الفلسطينية المرجوة؛ وكيفية التوصل لتحقيقها؛ والقادرة على التحرك والتنفيذ في مواجهة المستقبل؛ إن دلت على شيء ؛ فعلى مصداقية النضال الفلسطيني ؛ وتاريخية ثورته واستمراريتها ٠
٢- لعل من اهم أوجه المعاناة المستمرة التي تواجه الشعب الفلسطيني ؛ هي في عدم الإجابة للتساؤلات التي يطرحها حول كل واقع مستجد ؛بات يعيشه أو يواجهه؛ وعما إذا كان من الممكن في حينه تجاوزه؛ وعن الخطوات التي اتخذت أم لم تتخذ في سبيل ذلك ٠
والمؤتمر هو اليوم أمام مهمة حيوية؛تتطلب قبل كل شيء بضرورة التوصل إلى الحقائق وبحيوية تحديد المسؤوليات ومواجهة التساؤلات السائدة في أذهان الشعب الفلسطيني ؛ التي لم يعد من الكافي مجابهتها فقط بالتأكيد على الشعارات ؛أو التعلق بمقولات باتت ممجوجة؛ من حيث الإعتماد عليها لتبرير المعاناة الفلسطينية؛ أو تحميل المسؤولية للأعداء؛ أو توجيه اللوم للعرب والأصدقاء والحلفاء٠
٣- فيما يتعلق بالإستقلالية الفلسطينية؛ هل من تحديد المؤتمر ؛لهذا المعنى ؛وتحديد. أطر وحدود العلاقات الفلسطينية - العربية ؛ والمسؤوليات التي يتحملها كل طرف ؛بدقة ؛ خاصة بعد انحسار مكانة وأهمية القضية الفلسطينية في سلم أولويات الأطراف العربية ؛ واتساع دائرة الدول العربية المطبعة مع إسرائيل ٠
٣- ماذا عن جبهة العمل الدولي؛ حيث أنه بات من الصعب تصور إمكانية التوصل إلى أي حل أو إتفاق عملي على يد المنظمة الدولية ؛ طالما استمر غياب إمكانات العودة إلى سياسة الوفاق الدولي ؛ هذا من جانب ؛ ومن جانب آخر باتت جملة مشاكل وأزمات وقضايا صراع دولية أخرى؛ ملحة ؛بتشعباتها وتعقيداتها المختلفة ؛تحتل مكانة متقدمة في سلم أولويات أكثر الأطراف الدولية المعنية بالمنطقة ؛ الأمر الذي أدى إلى الكثير من هذه الأطراف ؛إلى ما نستطيع تسميته؛ إستيعاب القضية الفلسطينية دون الدفع باتجاه ايجاد حل عادل لها ٠
وتبرز هنا؛ أهمية إعادة هيكلة وتفعيل الديبلوماسية الفلسطينية " النائمة" الذي لا يتعدى دورها حفلات الكوكتيل ؛ وممارسة تمارين في العلاقات العامة ؛وتحديد دورها ؛ بما يعكس فعلاً واقع الصراع على الأرض؛ والتمسك بالمبادىء الثابتة من أجل صون الرؤية الفلسطينية واستدراك استمرار خطر الوقوع في مغبطة التخبط والضياع؛ وفي مسار موازي توضيح دور ومحدوديات الإعلام الفلسطيني في عصر ثورة المعلومات والذكاء الإصطناعي والتحولات الرقمية المتسارعة ؛ في الوقت الذي لايزال هذا الإعلام يعيش في عصر ما قبل التاريخ ؛ ولأن يكون جزء حيوياً من نظام العمل الفلسطيني الشامل٠
٤- إلى جانب هذا العمل الديبلوماسي والإعلامي ؛ماذا عن الحاجة إلى إعادة إحياء وتفعيل علاقات الحركة مع كافة الأحزاب والقوى السياسية والثورية في المنطقة العربية والإقليم والعالم المعاصر؛ والتي تراجعت كثيراً ؛ بعد أن كانت حركة فتح حاضنة وطليعة لكل حركات التحرر في العالم ؛ وذلك من أجل استعادة وحدة حركات التحرر العالمي ؛وبمايعيد إحياء عملية التضامن الكامل مع الشعب الفلسطيني وقضيته ؛ وتشديد النضال ضد قوى الإستعمار والصهيونية والقوى المتعاونة معهما ٠
٥- وعلى صعيد شعبنا الفلسطيني في الداخل ؛هل يغيب هؤلاء ؛عن البال ؛ وإمكانية استغلال التركيبة السياسية الإسرائيلية لتشكيل كتلة إنتخابية عربية موحدة ؛ وتوصيل عدد له شأنه من النواب العرب إلى الكنيست الاسرائيلي قد يكون لها ؛ في دعم قدرة الجانب الفلسطيني دور أساسي ؛على استغلال النظام السياسي الإسرائيلي والتأثير في مسار السياسة الإسرائيلية الداخلية ؛ لصالحه ٠
٦- ما هو مستقبل شعبنا الفلسطيني في لبنان ؛ الذين تعرضوا ولا زالوا يتعرضون للتنكيل والإرهاب والتشريد ؛ وغلق فرص العمل أمامهم ٠
ماذا يمكن للمؤتمر أن يخرج به؛ في سبيل رفع الظلم والقهر عن هذا الشعب الذي تحمل عبء الثورة ورفع راياتها طيلة العقود الماضية ٠
٧- هل من توجهات ؛ باتجاه الحفاظ ؛على مركزية ( م٠ت٠ف) وموقعها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ؛ والاحتفاظ بنفوذها الكافي في قبول أو رفض الخيارات ا المطروحة ؛ خاصة؛ انها واجهت ولا تزال محاولات متكررة استهدفت القضاء عليها ؛وذلك بمختلف الوسائل المباشرة وغير المباشرة ؛ وعلى أكثر من جهة وعبر مراحل عديدة ؛ ولعل أخطر المهددات لمنظمة التحرير ؛ التي قد يغفل عنها الكثير ؛ هي تقويض أسسها من الداخل وافراغ هياكلها لصالح السلطة الفلسطينية ٠
ومن هنا على المؤتمر ضرورة إدراك مثل هذه الأبعاد ؛ حفاظا؛ عليها كهيئة فلسطينية تمثيلية مركزية٠
٨- هل من طرح عملي وجدي ؛ يهدف إلى مواجهة ظروف الإحتلال والضم والاستيطان وعربدة المستوطنين والتهويد القائمة على قدم وساق في الضفة الغربية ؛ وهل من تصور حقيقي ؛ لمدى الخطورة البالغة التي بات مصير الضفة والقطاع معلقاً عليها ؛ في وقت لم تعد إسرائيل بحاجة إلى إخفاء أطماعها وممارساتها؛لخلق أمر واقع فيهما ؛ يجعل من المستحيل ؛ بل من الساذج التحدث عن احتمال استعادة تلك الأراضي ؛ أو حتى التفاوض بشأنها ؛ وهل سوف يكون بالإمكان ؛ تحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية لأهالي القطاع والضفة ؛ وتعزيز صمودهم ؛ في ظل كل هذا التقتيل والتشريد والدمار والضغط الإقتصادي والنفسي والإجتماعي والحصار المالي ؛ لعلها الأسوأ والأكثر كارثية ؛مما كانت عليه سابقاً ٠
٩ـ أما على صعيد السلطة الفلسطينية ؛ لعله من المفيد التساؤل حول إمكانية ؛ايجاد السبل الكفيلة ؛ لعملية الإصلاح بعيداً عن الاملاءات والشروط الخارجية ؛ ومكافحة الفساد والفاسدين ؛ ووقف النزف والهدر الانفاق العشوائي في الموازنة العامة؛ وترشيق نفقات مؤسسات واجهزة السلطة ؛ وضمان نظام عادل من المراجعة والمحاسبة؛ وتحديد المسؤوليات ضمن المؤسسات الحاكمة ؛وايجاد ميزان ثواب وعقاب داخلها ؛ بما يضمن مكافأة النجاح ؛ ومعاقبة المقصر ؛ ضمن الأصول القانونية والإدارية والديمقراطية الصحيحة٠
١٠- وأخيراً يتبقى لنا القول: علينا أن لا ننسى حركتنا العملاقة ؛ نفسها ؛ والتي باتت تعاني من الكثير من العيوب والنقائص والأمراض المختبئة تحت جلد جسدها؛ لعل من أهم مظاهرها: الأنانية ؛الفردية؛ الشللية ؛ العلاقات العشائرية والمناطقية ؛الإهمال ؛ الغرور ؛ ضعف الوعي ؛الممارسة الخاطئة ؛ الإرتجالية ؛ التسلط والقمع؛ الاستهتار ؛ الحسد ؛الكيد؛ الركض وراء الأضواء والبحث عن الشهرة؛ البحث عن وسائل الرفاهية والراحة المبالغ فيها؛ أزمة القيم الثورية المجيدة والإنتقال من تقاليد الثورة إلى تقاليد الدولة ؛ الفساد ؛ الهروب إلى المواقف المجانية ؛ لعن الظلام بدلاً من إضاءة شمعة؛ النفاق والكذب ؛ روح التشفي والتشهير ؛ التهكم والإستخفاف ؛صبغ حقيقتنا بالألوان الفاقعة الخادعة ؛ عدم الصدق والصراحة في التعامل بين الأخوة ؛ غياب قانون المحبة الذي كان يحكم علاقات فتح الداخلية ٠٠٠
إنها مهمةكبيرة تواجه المؤتمر؛ فأي تنظيم طليعي؛ لا يستطيع؛ أن يعيد بناء نفسه؛ وأن يقود المسيرة؛ دون الإعتراف؛بهذه النواقض والسلبيات ؛وبالتالي تصحيح اخطاءه ؛ من خلال ممارسة النقد والنقد الذاتي؛ والنضال الفكري؛ لإعادة صياغة النفس وترتيب وضعه على أساس من نقائضها٠
ومن هنا؛
حين تفعل فتح ذلك ؛ فإنها تضاعف من قدرتها ؛ وتراكم خطوات تقدمها ؛على طريق القيم النضالية الراسخة في منطلقاتها الأولى؛ لمعاودة الإنطلاق بقوة دفع كبيرة؛ على طريق الدفاع عن شعبها وقضيته العادلة ؛حتى النصر ٠



