نسمع جعجعة ولا نرى طحين

مايو 12, 2026 - 13:12
نسمع جعجعة ولا نرى طحين

نسمع جعجعة ولا نرى طحين
بين ضجيج الوعود وصمت الإنجاز
المحامي علي أبو حبلة
في الحياة السياسية كما في الحياة العامة، كثيراً ما ترتفع الأصوات وتكثر التصريحات وتُوزَّع الوعود بسخاء، حتى يخيّل للمواطن أن الفرج بات قريباً، وأن القرارات الحاسمة على الأبواب. غير أن التجربة المتكررة أثبتت أن ضجيج الكلام لا يعني بالضرورة حضور الفعل، وأن كثرة التصريحات قد تخفي في أحيان كثيرة عجزاً عن الإنجاز أو افتقاراً للإرادة السياسية.
ولعل أصدق وصف لهذه الحالة ما اختزنته الحكمة العربية في المثل الشهير: "أسمع جعجعة ولا أرى طحناً". فالجعجعة هي صوت الرحى حين تدور فارغة، بلا قمح ولا طحين، وهو مثل يضرب لمن يكثر الحديث ويقل العمل، أو يعد ولا يفي، أو يصنع صورة إعلامية أكبر بكثير من حجمه الحقيقي وقدرته الفعلية.
في واقعنا الفلسطيني والعربي، أصبح المواطن يسمع كثيراً عن خطط إصلاح، وتنمية، ووحدة وطنية، ومحاسبة، وتحسين للخدمات، وخلق فرص عمل، وصمود اقتصادي، لكنه في المقابل لا يرى ما يوازي هذه الوعود على أرض الواقع. فالهوة بين القول والفعل اتسعت، والثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم تراجعت، لأن الناس لم تعد تقيس الأمور بالخطب والبيانات، بل بما ينعكس على حياتها اليومية من نتائج ملموسة.
السياسة ليست فن الخطابة فقط، وليست سباقاً في إصدار البيانات أو احتكار الشاشات والمنابر. السياسة الحقيقية هي القدرة على اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وتحويل البرامج إلى إنجازات، والأقوال إلى أفعال. أما الاكتفاء بإدارة المشهد عبر الإعلام، دون أثر حقيقي، فهو استنزاف لرصيد الثقة العامة، وإضعاف لهيبة المؤسسات.
إن أخطر ما في "الجعجعة السياسية" أنها تُنتج حالة من الإحباط الشعبي، وتدفع الناس إلى العزوف عن المشاركة، لأنهم يشعرون أن كل ما يسمعونه مجرد تكرار لمفردات مستهلكة لا تحمل جديداً. وحين يفقد المواطن ثقته بالكلمة الرسمية، يصبح استعادتها أكثر صعوبة من فقدانها.
وفي المقابل، فإن التجارب الناجحة في العالم تثبت أن القادة الحقيقيين غالباً ما يقلّ كلامهم ويكثر عملهم، لأن الإنجاز أبلغ من الخطاب، ولأن النتائج تتحدث عن أصحابها. فالمواطن لا يريد وعوداً جديدة، بل يريد كهرباء مستقرة، ومياهاً متوفرة، وتعليماً أفضل، وقضاءً نزيهاً، وفرص عمل، وإدارة تحترم كرامته وحقوقه.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى ثقافة سياسية جديدة، عنوانها المصارحة بدل المبالغة، والعمل بدل الاستعراض، والإنجاز بدل التسويق الإعلامي. فالشعوب لم تعد تنخدع بسهولة، ووسائل التواصل جعلت الناس أكثر قدرة على التقييم والمحاسبة، وأكثر رفضاً للشعارات الفارغة.
ختاماً، فإن الأوطان لا تُبنى بالضجيج، ولا تُدار بكثرة الكلام، ولا تُصان بالمجاملات. وحده العمل الجاد، والقرار المسؤول، والالتزام الصادق بمصالح الناس، هو ما يحول الجعجعة إلى طحين، والوعود إلى واقع، والأمل إلى حقيقة. أما ما عدا ذلك، فسيبقى مجرد صوت عابر في طاحونة فارغة.