من شارع جبارة إلى سؤال الاقتصاد الوطني: إلى متى يبقى الفلسطيني رهينة الحاجز ولقمة العيش؟
بقلم المحامي علي أبو حبلة
من شارع جبارة إلى سؤال الاقتصاد الوطني: إلى متى يبقى الفلسطيني رهينة الحاجز ولقمة العيش؟
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في كل مرة تُغلق فيها بوابة، أو يُنصب حاجز، أو تُقطع طريق بين مدينة فلسطينية وأخرى، يتجدد السؤال ذاته: هل تكمن أزمة الفلسطيني في الطريق المغلق، أم في البنية السياسية والاقتصادية التي جعلت حياته اليومية معلقة بقرار عسكري إسرائيلي؟
الحديث عن مبادرة تجار من طولكرم لجمع الأموال للمساهمة في فتح شارع في محيط حاجز جبارة جنوب المدينة، يستحق التقدير من حيث روحه الوطنية والاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته يفتح باباً واسعاً للنقاش الأعمق حول جوهر المأزق الفلسطيني. فالقضية لا تختصر في شارع بديل، ولا في ممر مؤقت، بل في واقع كامل تُصادر فيه حرية الحركة، ويُعاق فيه الاقتصاد، وتُجعل لقمة عيش الفلسطيني رهينة الحاجز والمعبر والبوابة العسكرية.
اقتصاد تحت السيطرة لا اقتصاد مستقل
منذ عقود، لم تسمح سلطات الاحتلال بقيام اقتصاد فلسطيني مستقل وقادر على النمو الطبيعي. فالمعابر تخضع لسيطرتها، والاستيراد والتصدير مرهونان بإجراءاتها، وحركة الأفراد والبضائع تتحكم بها أوامر عسكرية متبدلة، والمناطق الصناعية والزراعية تتعرض للحصار أو المصادرة أو الإغلاق.
بهذا المعنى، لم يكن الاحتلال مجرد احتلال للأرض، بل احتلالاً للاقتصاد أيضاً. إذ جرى تكريس نموذج اقتصادي مشوّه يقوم على الاستهلاك، والخدمات، والاعتماد على السوق الإسرائيلي، بدلاً من تمكين اقتصاد إنتاجي حقيقي قائم على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والاستثمار الوطني.
شارع جبارة... حل مؤقت لمعضلة دائمة
قد يُفتح شارع في محيط حاجز جبارة، وقد يخفف الازدحام، وقد يسهّل وصول أهلنا من الداخل الفلسطيني إلى طولكرم، لكن من يضمن أن يبقى هذا الطريق مفتوحاً؟ من يضمن ألا يُغلق غداً بقرار عسكري؟ من يضمن ألا يتحول إلى أداة ابتزاز جديدة؟
هذه هي المعضلة الحقيقية: الفلسطيني يُجبر في كل مرة على البحث عن حلول مؤقتة لأزمة دائمة صُنعت سياسياً. فحين يصبح فتح طريق إنجازاً، فإن ذلك يكشف حجم الاختلال في المشهد، لأن الأصل أن تكون حرية التنقل حقاً طبيعياً، لا منحة مؤقتة ولا مشروعاً يحتاج إلى تبرعات.
من اقتصاد الخدمات إلى الاقتصاد المنتج
اللحظة الفلسطينية الراهنة تتطلب مراجعة شاملة للنموذج الاقتصادي القائم. فلا يمكن استمرار الاعتماد المفرط على الوظائف الهشة، والتحويلات، وسوق العمل الإسرائيلي، والقطاع الخدمي غير المنتج، في ظل واقع سياسي قابل للانفجار في كل لحظة.
المطلوب اليوم الانتقال الجاد من اقتصاد الخدمات إلى الاقتصاد المنتج، عبر استراتيجية وطنية تقوم على:
دعم الزراعة وحماية الأرض وتعزيز الأمن الغذائي.
تطوير الصناعة الوطنية وتقليل الاعتماد على الواردات.
تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري لأي اقتصاد منتج .
الاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
إعادة توجيه التعليم نحو التخصصات المهنية والتقنية.
تحفيز رأس المال الفلسطيني في الداخل والخارج للاستثمار الإنتاجي.
بناء شراكات اقتصادية عربية ودولية تقلل من التبعية للاحتلال.
إن الاقتصاد المنتج ليس ترفاً فكرياً، بل شرط من شروط الصمود الوطني.
العامل الفلسطيني بين البطالة والابتزاز
أخطر ما أنتجه الواقع الحالي هو جعل عشرات آلاف العمال الفلسطينيين أسرى لسوق العمل الإسرائيلي. فالعامل الذي يخرج قبل الفجر عبر الحواجز ليؤمن قوت أسرته، يتحول إلى ضحية مزدوجة: ضحية احتلال يحكم رزقه، وضحية اقتصاد محلي عاجز عن استيعابه.
ويبقى السؤال القاسي: إلى متى يبقى الفلسطيني محاصراً في قوت يومه؟ إلى متى تبقى لقمة الخبز مشروطة بتصريح؟ إلى متى يبقى مستقبل الأسر الفلسطينية معلقاً على قرار إغلاق أو فتح؟
أين العالم من هذا الخرق الفاضح للقانون الدولي؟
ما تمارسه سلطات الاحتلال من إغلاق المدن، وتشديد الحواجز، وفرض العقوبات الجماعية، وعرقلة التنمية الاقتصادية، يشكل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، وقرارات الأمم المتحدة التي تكفل حرية الحركة والعمل وحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في التنمية.
لكن العالم، الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان، يقف غالباً عند حدود البيانات. أما على الأرض، فيبقى الفلسطيني وحده يواجه منظومة قهر يومية تستهدف الإنسان والاقتصاد معاً. إن الصمت الدولي لم يعد مجرد تقصير، بل تحول إلى غطاء لاستمرار الانتهاكات.
المطلوب فلسطينياً: إدارة أزمة أم صناعة مستقبل؟
لا يكفي التعامل مع الأزمات اليومية بمنطق رد الفعل، ولا يكفي فتح طريق هنا أو تجاوز حاجز هناك. المطلوب رؤية وطنية شاملة تعيد تعريف الأولويات: بناء اقتصاد مقاوم، تعزيز الاعتماد على الذات، حماية الفئات الفقيرة، مكافحة الفساد والهدر، وتوجيه الموارد نحو التنمية الحقيقية.
فالشعوب لا تتحرر سياسياً وهي رهينة اقتصاد هش، ولا تصمد وطنياً إذا كانت لقمة عيشها بيد خصمها.
الخلاصة
من شارع جبارة يبدأ السؤال، لكنه لا ينتهي عنده. فالقضية ليست طريقاً يُفتح أو يُغلق، بل شعب يريد أن يعيش بحرية وكرامة فوق أرضه، باقتصاد منتج، وحركة طبيعية، وحق أصيل في العمل والتنمية.
وحين يُجبر المواطن على البحث كل يوم عن طريق بديل، فهذا يعني أن المعركة لم تعد على الجغرافيا فقط، بل على حق الإنسان في الحياة نفسها. ومن هنا، فإن بناء الاقتصاد الوطني لم يعد خياراً تنموياً، بل أصبح واجباً سيادياً ومهمة تحررية لا تحتمل التأجيل.



