الشعب من يصنع القيادات

بقلم المحامي علي أبو حبلة

مايو 4, 2026 - 09:27
الشعب من يصنع القيادات

الشعب من يصنع القيادات
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في مسيرة الأمم وتعاقب الحضارات، لم تكن القيادات الحقيقية يوماً صناعة القصور، ولا نتاج المال والنفوذ، ولا ثمرة الدعاية المصطنعة، بل كانت دائماً ابنة بيئتها، تنبع من ضمير الشعوب، وتتشكّل من حاجاتها وتطلعاتها وآمالها. فالشعب، في جوهر المعادلة السياسية والاجتماعية، هو من يصنع القيادات، وهو من يمنحها الشرعية، وهو أيضاً من يسحبها حين تنفصل عن رسالتها أو تتنكر لواجبها.
إن القيادة ليست لقباً يُمنح، ولا منصباً يُورث، ولا سلطة تُحتكر، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية تقوم على الكفاءة والنزاهة والقدرة على إدارة شؤون الناس بعدل وحكمة. ولهذا أجمع المؤرخون وكتّاب الفكر السياسي على أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من جيوش أو ثروات فقط، بل بما تفرزه من رجال دولة قادرين على بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم، وترسيخ سيادة القانون، وصيانة الكرامة الإنسانية.
والتاريخ شاهد على أن القادة الذين خلدتهم الذاكرة الإنسانية لم يفعلوا ذلك بالقوة، بل بالعدل. فكم من حاكم امتلك أسباب البطش والنفوذ، ثم تلاشى ذكره مع الزمن، وكم من قائد عاش متواضعاً بين الناس، فبقيت سيرته حية في وجدان الأجيال. لأن السلطة العابرة قد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع الاحترام، أما العدالة فتصنع الأمن والاستقرار والانتماء.
ومن أبلغ ما روي في فلسفة الحكم الرشيد، ما قاله الأعرابي لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين رآه نائماً تحت شجرة بلا حراس ولا أسوار: "عدلت فأمنت فنمت يا عمر". إنها عبارة تختصر قواعد الدولة الناجحة؛ فالعدل يولد الثقة، والثقة تصنع الأمن، والأمن يفتح أبواب البناء والتنمية والاستقرار.
إن الشعوب لا تبحث عن زعيم يجيد الخطابة بقدر ما تبحث عن قائد يجيد الإصغاء. لا تريد من يرفع الشعارات، بل من يحفظ الحقوق ويكافح الفساد ويؤمن بالمساواة وتكافؤ الفرص. فالقائد الحقيقي لا يقاس بما يملكه من نفوذ، بل بما يقدمه من إنجاز، ولا بما يحيط نفسه به من مظاهر القوة، بل بما يزرعه في المجتمع من طمأنينة وعدالة وأمل.
وفي المقابل، حين تُهمَّش إرادة الناس، وتُغلق أبواب المشاركة، وتُستبدل الكفاءة بالمحسوبية، تتحول القيادة إلى عبء على الدولة والمجتمع. فغياب العدالة يضعف الثقة، وضعف الثقة يفتح أبواب الانقسام والتراجع، مهما توفرت أدوات السلطة ومظاهرها. ولهذا فإن الشرعية الحقيقية لا تُصنع بالإكراه، بل تُبنى بالتوافق والإنجاز واحترام إرادة الناس.
إن صناعة القيادات تبدأ من بناء الإنسان الواعي، ومن ترسيخ ثقافة المساءلة والمواطنة، ومن إعلاء قيمة العمل العام بوصفه خدمة لا امتيازاً. فالمجتمع الحي هو الذي يفرز قياداته الطبيعية، ويمنح الفرصة للأجدر، ويحاسب المقصر، ويكافئ المخلص.
ختاماً، سيبقى الشعب هو المصدر الأول للشرعية، وهو المدرسة الكبرى التي تُخرج القادة الحقيقيين. فمن خدم الناس رفعوه، ومن عدل بينهم أحبوه، ومن صان كرامتهم خلدوا اسمه في صفحات التاريخ. أما من ظن أن المنصب وحده يصنع المجد، فقد خالف سنن الأمم وتجارب الزمن. فالشعب من يصنع القيادات، والعدل هو الطريق الأقصر إلى قلوب الناس، وإلى استقرار الدول، وإلى خلود الأسماء.