الترابط لا التماثل: في فلسفة البنية التنظيمية لحركة فتح
محمد قاروط أبو رحمه
الترابط لا التماثل: في فلسفة البنية التنظيمية لحركة فتح
محمد قاروط أبو رحمه
في النقاشات الفكرية حول الحركات السياسية، كثيرًا ما يجري الخلط بين مفهومي "الوحدة" و"التشابه"، وكأن التماسك التنظيمي لا يتحقق إلا عبر التماثل الكامل بين الأعضاء في الرؤية والسلوك والموقف. غير أن تجربة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" تقدّم نموذجًا مختلفًا، يقوم على ما يمكن تسميته بـ"الترابط الذاتي" لا "التماثل الذاتي"، وهو تمييز ليس لغويًا فحسب، بل يحمل دلالات عميقة في فهم طبيعة هذه الحركة واستمراريتها.
فالترابط الذاتي يعني أن الأعضاء يتشاركون إطارًا وطنيًا جامعًا، وقيمًا عامة، وهدفًا سياسيًا مشتركًا، دون أن يُطلب منهم الذوبان الكامل في نموذج فكري واحد مغلق. إنه ترابط يقوم على الانتماء إلى مشروع، لا على الاستنساخ داخله. وفي هذا المعنى، تصبح الحركة فضاءً مفتوحًا للاجتهاد، لا قالبًا جاهزًا لإعادة الإنتاج.
في المقابل، تقوم الأحزاب العقائدية الصلبة على فكرة "التماثل الذاتي"، حيث يُنظر إلى الاختلاف بوصفه خللًا، وإلى التعدد بوصفه تهديدًا. العلاقة داخل هذه الأحزاب تُبنى عموديًا وأفقيًا على قاعدة التطابق: في الفكرة، في الخطاب، في السلوك. ومن يخرج عن هذا التماثل، يتحول سريعًا إلى خصم، أو حتى عدو، لأن البنية لا تحتمل التباين.
هنا تتضح المفارقة: ما يبدو قوة في الأحزاب العقائدية، أي الصرامة والانضباط، قد يتحول إلى مصدر هشاشة على المدى الطويل، لأنها تفقد القدرة على التكيف مع الواقع المتغير. أما ما قد يُنظر إليه أحيانًا كـ"سيولة" في بنية فتح، فهو في جوهره تعبير عن مرونة بنيوية تتيح لها الاستمرار رغم التحولات العميقة.
لقد نشأت فتح في سياق وطني مركّب، لم يكن يسمح بتشكيل حزب عقائدي مغلق، بل كان يتطلب إطارًا قادرًا على استيعاب التعدد الاجتماعي والسياسي والثقافي للشعب الفلسطيني، في الداخل والشتات. ومن هنا، لم يكن الترابط خيارًا تنظيميًا فقط، بل ضرورة تاريخية. فالحركة التي تقود شعبًا تحت الاحتلال، وفي المنافي، لا يمكن أن تُبنى على الإقصاء، بل على الاستيعاب.
هذا الترابط يفتح المجال أمام الإبداع والاجتهاد، ويمنح الأعضاء مساحة للحركة داخل الإطار العام. لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديًا دائمًا: كيف يمكن الحفاظ على وحدة المشروع دون السقوط في الفوضى؟ وكيف يمكن إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى انقسام؟
الإجابة لا تكمن في العودة إلى التماثل، بل في تطوير أدوات تنظيمية وفكرية قادرة على إدارة الترابط نفسه. أي الانتقال من "ترابط عفوي" إلى "ترابط مُدار"، يحافظ على التنوع، لكنه يربطه باستراتيجية واضحة، وآليات مساءلة، ومؤسسات فاعلة.
إن قوة فتح التاريخية لم تكن في أنها قدّمت نموذجًا فكريًا مغلقًا، بل في أنها استطاعت أن تكون "إطارًا جامعًا" يتسع للاختلاف، ويحوّله، حين ينجح، إلى مصدر غنى لا إلى سبب ضعف. وفي هذا تكمن إحدى أسرار استمراريتها، رغم كل ما واجهته من أزمات.
في النهاية، لا يُقاس نجاح الحركات السياسية بمدى تماثل أعضائها، بل بقدرتها على تحويل تنوعهم إلى طاقة فعل. وبين التماثل الذي يُنتج الجمود، والترابط الذي يفتح أفق الحركة، تختار فتح، نظريًا وتاريخيًا، الخيار الأصعب: أن تبقى حيّة.



