الانتخابات البلدية والمحلية بين ضرورات الإصلاح ومخاطر التشظي: نحو مراجعة وطنية شاملة لقانون الانتخابات

بقلم المحامي علي أبو حبلة

أبريل 29, 2026 - 16:02
الانتخابات البلدية والمحلية بين ضرورات الإصلاح ومخاطر التشظي: نحو مراجعة وطنية شاملة لقانون الانتخابات

الانتخابات البلدية والمحلية بين ضرورات الإصلاح ومخاطر التشظي: نحو مراجعة وطنية شاملة لقانون الانتخابات
بقلم المحامي علي أبو حبلة

شكّلت الانتخابات البلدية والمحلية الأخيرة محطة مهمة في الحياة السياسية الفلسطينية، ليس فقط بوصفها استحقاقاً ديمقراطياً لتجديد الهيئات المحلية، وإنما باعتبارها مرآة عاكسة للتحولات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، وفي ظل استمرار الانقسام، وتعثر المشروع الوطني، وغياب الانتخابات العامة الشاملة. ومن هنا، فإن قراءة نتائج هذه الانتخابات لا ينبغي أن تبقى أسيرة الحسابات الرقمية وموازين الربح والخسارة، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى تحليل أعمق يمس بنية النظام السياسي، وطبيعة المجتمع، ومستقبل الكينونة الوطنية الفلسطينية.

لقد جرت هذه الانتخابات وفق تعديلات على قانون الانتخابات أتاحت للناخب اختيار عدد من المرشحين داخل القائمة الواحدة، وهو تعديل يبدو في ظاهره توسيعاً لهامش الاختيار، لكنه في الممارسة أفرز أسئلة جوهرية حول مدى مواءمة النظام الانتخابي للواقع الفلسطيني، وحول انعكاساته على الوحدة المجتمعية، وعلى مفهوم التمثيل السياسي، وعلى قدرة المؤسسات المحلية في أداء دورها التنموي والوطني.

أولاً: الانتخابات المحلية في ظل غياب الدولة والسيادة

لا يمكن التعامل مع الانتخابات المحلية الفلسطينية كما لو أنها تجري في دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، لأن الواقع الفلسطيني مختلف جذرياً. فالانتخابات تُجرى تحت الاحتلال، وفي ظل سيطرة إسرائيلية على الأرض والمعابر والموارد، ومع تفاوت جغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وقيود مفروضة على الحركة والتنمية والبناء.

وبالتالي، فإن أي قانون انتخابي فلسطيني يجب أن يُصاغ انطلاقاً من هذه الحقيقة المركزية: أن الانتخابات ليست مجرد آلية إدارية، بل جزء من معركة تثبيت الوجود الوطني، وتعزيز الصمود، وحماية الهوية السياسية الفلسطينية.

ثانياً: ماذا كشفت نتائج الفرز؟

أظهرت نتائج الانتخابات في كثير من المناطق أن التصويت لم يكن قائماً على أساس البرامج التنموية فقط، ولا على أساس الولاء التنظيمي وحده، بل تداخلت فيه عوامل متعددة، أبرزها:

الانتماء العائلي والحمائلي.
الاعتبارات الجهوية والمناطقية.
الحضور الشخصي والخدماتي للمرشح.
الولاء التنظيمي التقليدي.
التصويت الاحتجاجي ضد بعض النخب أو القوائم.

وهذا يعني أن التعديل القانوني نقل المنافسة من تنافس بين القوائم إلى تنافس داخل القائمة نفسها، بما أضعف في بعض الحالات فكرة العمل الجماعي، وعزز النزعة الفردية، وأعاد إنتاج العصبيات المحلية على حساب البرامج العامة.

ثالثاً: المخاطر الاستراتيجية المترتبة
1. تآكل البعد الوطني لصالح الانقسام الاجتماعي

حين تتحول الانتخابات إلى صراع عائلات أو أحياء أو مناطق، يتراجع مفهوم المواطنة لصالح الولاءات الفرعية، وهو أمر بالغ الخطورة في مجتمع يرزح تحت الاحتلال ويحتاج إلى أعلى درجات التماسك الوطني.

2. إضعاف التنظيمات السياسية دون بناء بديل مؤسسي

رغم المآخذ على أداء بعض القوى السياسية، إلا أن إضعافها دون تطوير حياة حزبية ديمقراطية حديثة يخلق فراغاً تملؤه العصبيات والمصالح الضيقة.

3. تهديد كفاءة المجالس المنتخبة

قد يصل إلى مواقع القرار من يمتلك قاعدة اجتماعية واسعة لكنه يفتقر إلى الخبرة الفنية والإدارية، ما ينعكس على جودة الخدمات والحوكمة المحلية.

4. تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي

في ظل غياب انتخابات وطنية شاملة، تصبح الانتخابات المحلية بديلاً ناقصاً، وقد تُستخدم لتعميق الانفصال بين مكونات النظام السياسي بدلاً من توحيده.

رابعاً: البعد الوطني والكينونة الفلسطينية

إن الشعب الفلسطيني لا يخوض انتخابات في ظروف طبيعية، بل في سياق صراع مفتوح على الأرض والهوية والحقوق. ومن هنا، فإن أي تشريع انتخابي يجب أن يُنظر إليه باعتباره أداة من أدوات تعزيز الكينونة الفلسطينية، لا مجرد نص قانوني تقني.

فالمطلوب هو نظام انتخابي:

يعزز الوحدة الوطنية لا الانقسام.
يرسخ الشراكة لا الإقصاء.
يدعم صمود المواطنين في المدن والقرى والمخيمات.
يحفظ التمثيل السياسي والاجتماعي المتوازن.
يربط الإدارة المحلية بالمشروع الوطني العام.
خامساً: الحاجة إلى مراجعة قانونية متخصصة

إن التعديلات التي طالت قانون الانتخابات يجب ألا تُترك لتقديرات ظرفية أو مصالح آنية، بل تستوجب مراجعة وطنية مؤسسية شاملة. لذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى تشكيل لجان وطنية متخصصة تضم:

خبراء قانون دستوري وإداري.
مختصين في النظم الانتخابية.
ممثلين عن القوى السياسية.
خبراء في علم الاجتماع والسياسات العامة.
ممثلين عن الهيئات المحلية والمجتمع المدني.
شخصيات وطنية مستقلة مشهود لها بالكفاءة.

وتكون مهمة هذه اللجان دراسة أثر التعديلات الأخيرة، ومقارنتها بالتجارب الدولية، وقياس مدى انسجامها مع الواقع الفلسطيني ومتطلبات المصلحة الوطنية.

سادساً: توصيات عملية للإصلاح
1. مراجعة نظام الصوت داخل القائمة

دراسة ما إذا كان النظام الحالي يعزز التنافس السلبي داخل القائمة، والبحث في بدائل أكثر استقراراً وعدالة.

2. تعزيز البعد البرامجي

إلزام القوائم بتقديم برامج عمل واضحة وقابلة للمساءلة، حتى لا تتحول الانتخابات إلى منافسات اجتماعية مجردة.

3. معايير للكفاءة والنزاهة

وضع شروط تضمن الحد الأدنى من الكفاءة الإدارية والمالية والقدرة على إدارة الشأن المحلي.

4. حماية السلم الأهلي

استحداث مدونات سلوك انتخابي وآليات مصالحة مجتمعية للحد من التوترات العائلية والمناطقية.

5. ربط المحلي بالوطني

اعتبار الانتخابات المحلية جزءاً من مسار إصلاح سياسي شامل يقود إلى انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني عندما تسمح الظروف.

6. ضمان مشاركة القدس وكل التجمعات الفلسطينية

التمسك بحق القدس في المشاركة السياسية، وعدم القبول بتحويل الاحتلال إلى ذريعة لتعطيل الحقوق الديمقراطية.

سابعاً: الخلاصة

إن الانتخابات البلدية والمحلية الأخيرة قدّمت رسائل متعددة، أهمها أن المجتمع الفلسطيني يبحث عن تمثيل أكثر قرباً وفاعلية، لكنه في الوقت ذاته يواجه خطر الانزلاق نحو الولاءات الضيقة إذا لم يُحسن تصميم القوانين وإدارة العملية السياسية.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإعلان النتائج، بل فتح حوار وطني جاد حول قانون الانتخابات، ووظيفته، وآثاره، وعلاقته بالمشروع الوطني الفلسطيني. فالقانون الانتخابي ليس مجرد إجراءات اقتراع وفرز، بل هو أحد أدوات صياغة المستقبل الفلسطيني.

وفي ظل استمرار الاحتلال، وتعثر الاستقلال، وغياب السيادة، تبقى المسؤولية الوطنية مضاعفة: أن نجعل من الانتخابات وسيلة لتعزيز الصمود والوحدة وبناء المؤسسات، لا مدخلاً جديداً للتشظي والانقسام.