لبنان بين تمديد الهدنة ومتطلبات التوازن الداخلي: مقاربة استراتيجية لتفادي الانزلاق نحو صراع طائفي
لبنان بين تمديد الهدنة ومتطلبات التوازن الداخلي: مقاربة استراتيجية لتفادي الانزلاق نحو صراع طائفي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
يشكّل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لثلاثة أسابيع، وطرحه فكرة لقاء محتمل بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محطة سياسية دقيقة تتجاوز إطارها الأمني، لتلامس بنية النظام اللبناني ذاته، وتعكس محاولة لإعادة ترتيب التوازنات في بلد يقوم أساسًا على معادلة دقيقة من الشراكة الطائفية والسياسية.
أولًا: خصوصية التركيبة اللبنانية وحدود المقاربات الخارجية
لبنان ليس ساحة تقليدية للصراعات، بل كيان سياسي مركّب يقوم على توازنات طائفية دقيقة بين مكوناته الأساسية، حيث يتوزع النظام السياسي بين الطوائف وفق صيغة تاريخية كرّسها اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية وأعاد توزيع الصلاحيات على قاعدة الشراكة والتوافق.
هذه التركيبة تجعل من أي مقاربة خارجية تتجاهل التعقيد الداخلي، أو تحاول فرض حلول سريعة، عامل توتير لا استقرار. فالمعادلة اللبنانية لا تُدار بمنطق الغلبة، بل بمنطق التوازن، وأي اختلال في هذا التوازن يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الانقسام الطائفي، بما يحمله من مخاطر الانزلاق إلى صراع داخلي.
ثانيًا: بين التهدئة الأمنية وضغوط إعادة تشكيل الواقع السياسي
التمديد المؤقت للهدنة يحمل في ظاهره بعدًا أمنيًا، لكنه في جوهره يعكس محاولة أميركية للدفع نحو ترتيبات أوسع قد تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار. فطرح لقاء سياسي مباشر، حتى وإن كان في إطار رمزي، يُقرأ في الداخل اللبناني كخطوة نحو إدخال لبنان في مسار تفاوضي قد لا يحظى بإجماع وطني.
وهنا تكمن الإشكالية: إذ إن أي انتقال من التهدئة إلى التفاوض المباشر دون توافق داخلي عريض، قد يُفسَّر من قبل بعض القوى اللبنانية على أنه مساس بثوابت وطنية أو محاولة لإعادة تعريف موقع لبنان في الصراع الإقليمي، ما يهدد بإعادة إنتاج الانقسام السياسي–الطائفي.
ثالثًا: التوازنات الداخلية كشرط للاستقرار
إن النظام اللبناني، القائم على التوافق بين مكوناته، لا يحتمل قرارات أحادية في قضايا استراتيجية كالسلم والحرب أو العلاقات مع إسرائيل. فهذه الملفات تمسّ جوهر العقد الاجتماعي اللبناني، وأي مقاربة لها خارج إطار التوافق الوطني تُفقدها الشرعية السياسية، حتى وإن حظيت بدعم خارجي.
من هنا، فإن الحفاظ على الاستقرار يمرّ عبر:
احترام مبدأ الشراكة الوطنية بين مختلف الطوائف.
الالتزام بروح اتفاق الطائف بوصفه الإطار الناظم للحياة السياسية.
تجنب إدخال لبنان في محاور إقليمية متصارعة دون توافق داخلي.
رابعًا: المخاطر الكامنة – من الضغط الخارجي إلى الانقسام الداخلي
إن الضغوط الدولية الرامية إلى تحقيق “إنجاز سريع” قد تتقاطع مع هشاشة الوضع الداخلي اللبناني، ما يخلق بيئة قابلة للاهتزاز. فربط الاستقرار الأمني بملفات خلافية، كمسألة سلاح “حزب الله” أو التطبيع، دون معالجة داخلية توافقية، قد يؤدي إلى:
تصاعد الاستقطاب الطائفي والسياسي.
إضعاف مؤسسات الدولة لصالح منطق المحاور.
إعادة إحياء خطوط التماس القديمة التي أنهكها اللبنانيون في حربهم الأهلية.
وهنا يبرز الخطر الأكبر: أن يتحول الضغط الخارجي إلى عامل تفجير داخلي، يعيد لبنان إلى مربع الصراعات الطائفية التي حاول تجاوزها منذ عقود.
خامسًا: البعد العربي وضرورة الانسجام مع الإجماع الإقليمي
يتمسك لبنان، وفق مواقفه المعلنة، بعدم الخروج عن الإطار العربي، ورفض أي مسار سلام منفصل لا ينسجم مع مبادرة السلام العربية، وهو موقف يعكس إدراكًا بأن أي انزياح عن هذا الإجماع قد يعمّق الانقسام الداخلي ويضعف موقعه الإقليمي.
إن الحفاظ على هذا التوازن بين الالتزامات العربية والخصوصية الداخلية يشكّل صمام أمان، يمنع استفراد لبنان بترتيبات قد لا يتحمل تداعياتها.
خلاصة استراتيجية
لبنان اليوم أمام مفترق دقيق: بين فرصة تهدئة قد تفتح الباب أمام استقرار نسبي، ومخاطر ضغوط خارجية قد تدفعه إلى خيارات غير محسوبة داخليًا. وبين هذين المسارين، تبقى القاعدة الذهبية واضحة: لا استقرار في لبنان دون توافق، ولا شرعية لأي مسار سياسي أو تفاوضي خارج إطار الشراكة الوطنية.
إن صون السلم الأهلي يتطلب قراءة واقعية للتركيبة اللبنانية، واحترام التوازنات التي أرساها اتفاق الطائف، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، بما يجنّبه خطر الانزلاق إلى حرب طائفية جديدة، لا يملك ترف خوضها في ظل أزماته المتراكمة.
وفي ظل هذه المعادلة، فإن أي مقاربة دولية أو إقليمية لا تنطلق من خصوصية لبنان، ولا تُبنى على قاعدة التوافق الوطني، ستبقى عرضة للفشل، بل وقد تتحول إلى عامل عدم استقرار، بدل أن تكون مدخلًا للحل.



