الفائز في معركة الإعلام في الحرب الأخيرة

د. صبري صيدم

أبريل 13, 2026 - 09:34
الفائز في معركة الإعلام في الحرب الأخيرة

د. صبري صيدم

لن أُعطي لنفسي حق الإعلان عن الفائز في معركة الإعلام في حرب إسرائيل وأمريكا على إيران، خاصة أن طبول هذه الحرب لم تهدأ، ونيرانها لم تنطفئ بعد. كما أنني لا أنوي أن أُرجح كفّة رواية على أخرى، بل أسعى وإياكم لفهم المشهد الحالي، الذي تغيّرت معه قواعد الاشتباك مع احتدام الصراع بين الفرقاء في الفضاء الرقمي وليس فقط في الميدان.

فتجند الإعلام في زمن الحروب لخدمة رواية المتحاربين أمر لا حياد فيه، متحلل من المساحات الرمادية بما ضاق منها وما اتسع.  فالمنصات والشاشات وخطوط الإنترنت والحواسيب والهواتف المحمولة، إنما تتحول لتستخدم لصالح سردية طرف على طرف، في مسعى كل منهم لتبرير موقفه، أو تحشيد الرأي العام ضد خصمه، أو حتى ترهيب ذلك الخصم وزرع الرعب وسط جنوده وداخل صفوفه. وبذلك لم يعد المشهد الإعلامي هذه المرة مماثلاً لكل الحروب، بل بات وفي خضم تنامي البعد الرقمي، ساحة مواجهة لا تقل شراسة عن أي مواجهة تقليدية معهودة.

ولعل ما يميز هذه المواجهة أنها جاءت في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الإعلام مجرد منصة لنقل الخبر، بل بمثابة صانع له، ومُعيداً لتشكيله، وأحيانًا مُضلِّلًا به. وعليه جندت الأطراف الثلاثة ماكيناتها الإعلامية بكامل طاقتها من فضائيات وصحف ومنصات للتواصل الاجتماعي، بحيث أصبحت في معظمها جاهزة لترويج رواية طرف على طرف، في سباق محموم لكسب العقول تمهيداً لكسب الحرب نفسها.

لكن اللافت، الذي يشكل فارقاً حقيقياً، إنما تمحور حول كثافة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بصورة تحول معها السؤال من: من يملك المنصة؟ إلى من يُتقن استخدامها ومن يوجع خصمه بها؟ وذلك عبر إنتاج محتوى أكثر تأثيرًا، أسرع انتشارًا، وأعمق اختراقًا لعقول الناس وقلوبها؟ وبذلك دخلنا مرحلة جديدة، تصبح معها صورة مُصممة، أو مقطع مُركب، إنما يوازيان في أثرهما عواجل الأخبار والبيانات العسكرية وحتى المؤتمرات الصحفية على تعددها وصاخبها ومفاعيلها.

وفي خضم توظيف الذكاء الاصطناعي، فقد يذهب البعض إلى القناعة الواضحة بأن هذا الاستخدام لم يتوقف عند حدود الحقيقة، بل يمتد إلى فبركة أفلامٍ لقصف مزعوم، ومشاهد وصور لضربات عسكرية مزورة، وجولات وهمية للقصف، وذلك في محاولة مستمرة لتكريس واقع بصري يخدم الرواية المراد تثبيتها. وهنا تصبح الحقيقة أمام جمهور المتابعين ضحية تتأرجح بين ما هو موثق، وما هو مفبرك بعناية فائقة.

ورغم الإمكانات الضخمة التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل، وسيطرتهما التقليدية على جزء واسع من الإعلام العالمي ومنصات التواصل الاجتماعي على تعددهما، فإن إيران لم تعدم وسائل المناكفة الرقمية، ولا سبل توظيف الذكاء الاصطناعي، في ضحد الرواية الأمريكية والإسرائيلية عبر اختراق هذا الفضاء بمحتوى هزلي معتمد على السخرية البصرية، والمقاطع التسطيحية القصيرة، والرسائل التي تخاطب الجمهور بلغة استهزائية بسيطة لكنها نافذة وقادرة على الانتشار الأوسع عالمياً.

فهذا النوع من المحتوى، الذي يبدو ترفيهيًا، إنما استطاع أن يثبت قدرته على الانتشار الواسع، وربما التأثير الأعمق في نفوس مشاهديه. فالمشاهدون ليسوا مراقبين محايدين في معظمهم، فهم لا يبحثون فقط عن المعلومة، بل عن مواد تقربهم إلى ما يتقاطع مع مواقفهم خاصة تلك اللقطات التي تلامس ميولاتهم، والصورة التي تختصر رواية كاملة في لحظة أو دقيقة واحدة.

ولعل مثال الفيلم الكرتوني الموّلد للرئيس الأمريكي ورئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي وهما يخوضان اشتباكاً مسلحاً مع المرشد الإيراني الجديد مجتبى الصدر على ضفاف جزيرة "خارك" الإيرانية، إضافة إلى الصورة المتداولة لرئيس البرلمان الإيراني، وهو في طريقه على متن طائرة إيرانية إلى باكستان للتفاوض، محاطًا بصور وحقائب أطفال قُتلوا  في قصف مدارسهم الإيرانية خلال الحرب، وما رافقها من عبارة بسيطة كتبها هو على صفحته وتقول: هؤلاء هم من يرافقونني اليوم، لهو دليل قاطع على حجم التأثير الإعلامي والتحول الذي يوظف الذكاء الاصطناعي والصورة المقتضبة لضحد مواقف الخصوم. وهو ما يقدم بدوره وفي الوقت ذاته رسالة مركّبة، تمزج بين العاطفة والسياسة، وتُحمّل المتلقي مسؤولية التفسير.

وعليه أقول هنا إن الفائز في معركة الإعلام الرقمي ليس بالضرورة من يسيطر على أكبر عدد من القنوات الفضائية ومنصات الإعلام الاجتماعي، ولا من وظف الخوارزميات لإنتاج الذكاء الاصطناعي، بل من يفهم روح اللحظة، فيستطيع الاستفادة من تلك التقنيات والمنصات لخدمة روايته، ومن يعرف كيف يحوّل التكنولوجيا إلى قصة، والصورة إلى إحساس، والمحتوى إلى موقف، والحجج إلى براهين.

أختم هنا بالقول: إننا أمام زمن لم يعد فيه الخبر يُفرض بقوته، بل بقدرة الخوارزميات على تجنب السؤال الأهم: هل ما نراه قد حصل؟ واستبداله بالتعامل مع ذلك الخبر كحقيقة دامغة لا شك فيها. للحديث بقية!

s.saidam@gmail.com