المؤتمر الثامن لحركة فتح … بين شرعية الكادر وإرادة التجديد في ظل أسئلة غزة
المؤتمر الثامن لحركة فتح … بين شرعية الكادر وإرادة التجديد في ظل أسئلة غزة
بقلم د. محمد إبراهيم محمد منصور
مقرر مفوضية المكاتب الحركية حركة فتح - إقليم شمال غزة
ينعقد المؤتمر الثامن للحركة في لحظة دقيقة ومفصلية، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل بوصفها محطة اختبار حقيقية لمدى قدرة الحركة على تجديد ذاتها، واستعادة توازنها الداخلي، وتعزيز حضورها في المشهد الوطني. هذه اللحظة ليست عابرة، بل تأتي في سياق تراكمات طويلة من التجارب، التي حملت في طياتها نجاحات مهمة، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن اختلالات عميقة تحتاج إلى مراجعة جادة ومسؤولة.
في هذا السياق، تبرز مسألة شرعية الكادر كمدخل أساسي لأي عملية إصلاح حقيقية. فالحركات الوطنية لا تُبنى فقط على تاريخها أو رمزية قياداتها، بل على علاقتها الحية بكوادرها، وعلى قدرتها على تمثيل هذه القواعد داخل هياكلها القيادية. الشرعية هنا ليست إجراءً شكلياً يُنجز عبر صناديق الاقتراع، بل هي انعكاس حقيقي لمدى حضور الكفاءة، والتجربة، والتضحية في مراكز القرار.
ومع مرور الوقت، بات واضحاً أن هناك فجوة تتشكل بين الكادر الحقيقي ومواقع التأثير، وهي فجوة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من آثارها. حين يشعر الكادر بأن جهده لا ينعكس على موقعه، وأن معايير التقدم لا تقوم دائمًا على الكفاءة، فإن الثقة تبدأ بالتآكل تدريجياً، ويتراجع الشعور بالانتماء الفاعل. من هنا، فإن المؤتمر الثامن أمام مسؤولية مباشرة في إعادة الاعتبار لهذه الشرعية، عبر آليات واضحة تضمن العدالة، وتفتح المجال أمام الطاقات الحقيقية للمشاركة في صنع القرار.
غير أن الحديث عن التجديد لا يمكن أن يكتمل دون التوقف عند إرث التجربة السابقة، بما يحمله من دروس وتحديات. فالحركة، كغيرها من التنظيمات، مرت بمحطات مختلفة، بعضها أسهم في تعزيز حضورها، وبعضها الآخر أفرز اختلالات تنظيمية وثقافية لا يمكن إنكارها. هذه الاختلالات لم تكن دائماً نتيجة أخطاء فردية، بل في كثير من الأحيان نتاج تراكمات لم تخضع لمراجعة كافية.
المشكلة لا تكمن في وجود الأخطاء، بل في غياب آليات فعالة للتعلم منها. فحين لا تتحول التجربة إلى معرفة، يصبح من السهل إعادة إنتاج نفس الأنماط، حتى وإن تغيرت الوجوه. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل يمتلك المؤتمر القدرة على كسر هذا النمط، والانتقال من إدارة الواقع إلى إعادة تشكيله؟ أم أننا سنكون أمام محاولة جديدة لإعادة ترتيب نفس المعادلات دون المساس بجوهرها؟
في موازاة ذلك، تفرض غزة نفسها بوصفها أحد أبرز عناوين المرحلة، ليس فقط من زاوية الواقع السياسي، بل أيضاً من زاوية الحضور التنظيمي للحركة. فغزة، بما تمثله من ثقل وطني، تعكس بشكل واضح طبيعة التحديات التي تواجهها الحركة، سواء على مستوى البنية التنظيمية أو على مستوى العلاقة مع القاعدة.
الواقع في غزة يطرح أسئلة عميقة لا يمكن تجاوزها، تتعلق بمدى فاعلية التنظيم، وبمستوى الثقة بين الكادر والقيادة، وبالقدرة على الحضور والتأثير في بيئة معقدة. هذه الأسئلة لا تحتمل التأجيل، ولا يمكن التعامل معها بخطاب عام، بل تحتاج إلى مقاربة جدية تقوم على التشخيص الدقيق، واتخاذ قرارات واضحة، وتحمّل المسؤولية في التنفيذ.
إن إعادة بناء التنظيم في غزة لا تمثل فقط ضرورة تنظيمية، بل شرطاً أساسياً لاستعادة التوازن داخل الحركة ككل. فالحركة التي تعجز عن معالجة اختلالاتها في أحد أهم مواقعها، تجد صعوبة في تقديم نفسها كقوة قادرة على قيادة مشروع وطني.
ومن هنا، فإن الربط بين شرعية الكادر وإرادة التجديد يمر حتمًا عبر التعامل الجدي مع أسئلة غزة، بوصفها اختباراً عملياً لأي حديث عن الإصلاح. فالتجديد لا يُقاس بما يُقال في القاعات، بل بما يتحقق على الأرض، وغزة هي الميدان الأكثر وضوحاً لقياس ذلك.
وفي عمق هذا المشهد، تبرز أيضاً مسألة العلاقة بين القيادة والقاعدة، بوصفها أحد المفاصل الأساسية في بنية أي تنظيم. هذه العلاقة، التي كانت تاريخياً مصدر قوة للحركة، شهدت خلال الفترة الماضية تراجعاً ملحوظاً، انعكس في ضعف التفاعل، وتراجع الثقة، واتساع مساحة الشعور بالتهميش.
إعادة بناء هذه العلاقة لا يمكن أن تتم عبر إجراءات شكلية، بل تتطلب إعادة نظر حقيقية في آليات صنع القرار، وفي طبيعة التمثيل داخل المؤسسات. القاعدة ليست مجرد جمهور داعم، بل شريك أساسي في العملية التنظيمية، وأي إقصاء غير مباشر لها ينعكس سلباً على مجمل الأداء.
وفي سياق الحديث عن التجديد، لا يمكن إغفال الدور المحوري للشباب والمرأة، باعتبارهما ركيزة أساسية لأي عملية تطوير. فالمجتمعات التي لا تفسح المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة الفاعلة، تفقد قدرتها على الاستمرار. والحركة، وهي تواجه تحديات متسارعة، بحاجة إلى دماء جديدة قادرة على التفاعل مع الواقع بلغة مختلفة وأدوات أكثر مرونة.
لكن تمكين هذه الفئات لا يجب أن يبقى في إطار الخطاب، بل يجب أن يتحول إلى سياسات واضحة تعكس قناعة حقيقية بأهمية دورهم، وتمنحهم مساحة فعلية في مواقع التأثير.
وعلى مستوى أوسع، يظل التحدي الأكبر مرتبطا بقدرة الحركة على الربط بين البعد التنظيمي والبعد السياسي. فالتنظيم، مهما كان قوياً، لا يمكن أن يحقق أهدافه إذا لم يكن جزءاً من رؤية سياسية واضحة. والعكس صحيح، إذ إن أي مشروع سياسي يحتاج إلى قاعدة تنظيمية قادرة على ترجمته إلى واقع.
من هنا، فإن المؤتمر الثامن لا يُسأل فقط عن شكل القيادة القادمة، بل عن طبيعة الرؤية التي ستحكم هذه القيادة، وعن قدرتها على التعامل مع التحولات التي يشهدها الواقع الفلسطيني، سواء على المستوى الداخلي أو في سياقه الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل البعد الأخلاقي للعمل التنظيمي، الذي يشكل في كثير من الأحيان العامل الحاسم في بناء الثقة. فالقيم مثل النزاهة، والشفافية، والعدالة، ليست ترفاً تنظيمياً، بل هي أساس لأي شرعية حقيقية. وحين يشعر الكادر بأن هذه القيم حاضرة في الممارسة، فإن ذلك يعزز الانتماء، ويعيد الحيوية إلى التنظيم.
في المقابل، فإن غياب هذه القيم، أو ضعف حضورها، يؤدي إلى نتائج عكسية، مهما كانت الشعارات المرفوعة.
وفي ظل كل هذه المعطيات، يصبح المؤتمر الثامن أكثر من مجرد حدث تنظيمي، بل لحظة اختبار شاملة، تتقاطع فيها الأسئلة التنظيمية مع التحديات الوطنية، وتُطرح فيها قضايا الشرعية، والتجديد، والثقة، والمستقبل.
هذه اللحظة لا تحتمل المعالجات الجزئية أو الحلول المؤقتة، بل تحتاج إلى رؤية شاملة، وإرادة حقيقية للتغيير، واستعداد لتحمّل كلفة هذا التغيير. لأن التجديد، بطبيعته، لا يأتي دون ثمن، لكنه في المقابل يفتح أفقاً جديداً للحركة، ويمنحها فرصة لاستعادة دورها ومكانتها.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيكون المؤتمر الثامن نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة تُعيد الاعتبار لشرعية الكادر، وتُفعّل إرادة التجديد، وتتعامل بجدية مع أسئلة غزة؟ أم أنه سيتحول إلى محطة أخرى تُضاف إلى مسار التراكم دون تغيير جوهري؟
الإجابة لا تكمن في التوقعات، بل في القرارات التي ستُتخذ، وفي مدى قدرتها على الانتقال من القول إلى الفعل. فالتاريخ لا يتوقف عند اللحظات، بل يُبنى من خلالها، والمؤتمر الثامن هو واحدة من تلك اللحظات التي قد تعيد رسم المسار… أو تؤكد استمراره كما هو.





