بين وعورة الدرب وانقطاع "النت": غربال الرجال والأنذال

محمد قاروط أبو رحمه

أبريل 6, 2026 - 10:23
بين وعورة الدرب وانقطاع "النت": غربال الرجال والأنذال

بين وعورة الدرب وانقطاع "النت": غربال الرجال والأنذال

محمد قاروط أبو رحمه

قديماً، كانت المسافات تُقاس بالخطى، والكرامة تُقاس بالثبات. 
كان "الدرب" هو المختبر الحقيقي للمعدن البشري؛ فإذا انقطع الطريق بالرجل في قفرٍ أو شدة، ظهرت "المراجل" كفعلِ إنقاذٍ وبذل. 
في ذلك الزمن، كانت طريق المرجلة وعرةً جداً على الأنذال، لأنها تتطلب نفساً طويلاً، وصبراً على المكاره، ومواجهةً مباشرة لا حجاب فيها.
 كان النذل ينسحب من الخطوات الأولى، لأن الطريق لا تمنحه فرصة للاختباء.

أما اليوم، فقد تبدلت ملامح "الدروب". لم يعد الطريق وعراً بالأشواك، بل صار ممهداً بالألياف البصرية وشاشات اللمس. 
في زمن "النت" الذي لا ينقطع، فُتحت الأبواب على مصراعيها لظهور أنماط جديدة من "البطولات الورقية". 
صار بإمكان النذل أن يرتدي ثوب الفارس، ويوزع المواعظ، ويدعي المرجلة وهو متكئ على أريكته، مستغلاً سيولة العالم الافتراضي التي تمنحه صوتاً بلا فعل، وحضوراً بلا أثر حقيقي.

لكن المفارقة العجيبة تكمن هنا: حين كان الدرب ينقطع بالرجل قديماً، كان يبدأ امتحان أصالة معدنه. 
واليوم، حين ينقطع "النت"، تنقطع معالم تلك المراجل المزيفة.

إن "طريق الأنذال" اليوم مرتبطة تماماً بهذا الخيط الواهن من الإشارات الرقمية. بمجرد أن ينقطع الاتصال، أو تسقط الشاشة، أو تنفذ البطارية،  يتلاشى الضجيج، ويختفي المدعون، ويصبح "بطل الكيبورد" غريباً في واقعه، عاجزاً عن مد يد العون لمن هم حوله. لقد صارت مرجلة هذا الزمان لدى البعض رهينة "إعجاب" أو "مشاركة"، فإذا غاب الفضاء الافتراضي، سقطت الأقنعة وانكشفت الهشاشة.

إن انقطاع "النت" اليوم هو "وعورة الدرب" الجديدة؛ هو الغربال الذي يعيد الناس إلى أحجامهم الطبيعية. فالرجل الحقيقي هو من يبقى "رجلاً" حتى لو انقطعت عنه سبل الاتصال بالعالم، لأنه يستمد قيمته من صدق أفعاله في الواقع، لا من عدد متابعيه في الافتراض. 
أما أولئك الذين "تتقطع طرقهم بانقطاع النت"، فهم ضحايا الوهم الذين ظنوا أن الرجولة مجرد نصٍ يُكتب، وليست موقفاً يُعاش.

ستبقى المرجلة دائماً وعرة على من لا يملك جوهرها، سواء كانت الطريق تراباً تحت الأقدام، أو بياناتٍ تسبح في الهواء

ومن هنا، فإننا بحاجة ماسة إلى ثورة تربوية تعيد صياغة مفهوم "الرجل" في وعي الناشئة؛ تربيةٍ تعتمد مبدأ "الفطام الرقمي"، لا من أجل محاربة التكنولوجيا، بل من أجل تحرير الإرادة من أسرها. 
إن الجيل الذي يقتات بطلاته من الشاشات يحتاج إلى أن يُدفع دفعاً نحو مختبرات التدريب الحقيقية، حيث لا "زر" للإلغاء ولا "تطبيق" لتسهيل الصعاب.

إن وضع الشباب في المسارات الطويلة، سيراً على الأقدام، ومواجهة وعورة الأرض، وتقلبات المناخ، ليس مجرد رياضة أبدان، بل هو هندسة للروح. في تلك المسارات، يتعلم الشاب أن "الطريق" لا يُختصر بضغطة إصبع، وأن العطش والتعب والجوع هي المعايير التي يُقاس بها الصبر. هناك، في الميدان، يسقط "النذل" الذي اعتاد الاختباء، ويبرز "الرجل" الذي يشد أزر رفيقه ويتقاسم معه شربة الماء.

نحن بحاجة إلى بيئات التعايش القاسية، تلك التي تضع الفرد في مواجهة مباشرة مع الطبيعة ومع الآخرين دون وسيط رقمي.
 في هذه المختبرات الميدانية، ينقطع "النت" ليتصل الإنسان بذاته وبأخلاقه الأصيلة. التدريب الحقيقي هو الذي يصنع "المناعة النفسية"، ويحول الشاب من كائن "افتراضي" هش، تنقطع سبله بانقطاع الإشارة، إلى إنسان صلب يمتلك مهارات البقاء، والقيادة، والايثار.

إن فطام الجيل عن النت يعني إعادته إلى "الواقع الخشن"، ليدرك أن المرجلة ليست "بوستاً" يُنشر، بل هي أثرٌ يُترك في طريقٍ وعرة، وموقفٌ يُتخذ حين يصمت الجميع. إننا نبحث عن جيل إذا انقطع عنه النت، أضاء هو الطريق بعزيمته، لا جيل تتقطع به السبل وتتوقف حياته بمجرد نفاد البطارية.

إن صناعة الرجال تبدأ من حيث تنتهي الرفاهية المفرطة، وتبدأ الكرامة من حيث تبدأ القدرة على مواجهة "الوعورة" بقلبٍ ثابت وقدمٍ راسخة

لذا، تصبح المخيمات التدريبية هي الميدان البديل والمقدس لاستعادة هذه القيم؛ فهي ليست مجرد نزهة في الطبيعة، بل هي "مراجل" حديثة تُصهر فيها الشخصية. في هذه المخيمات، يُنزع الفتى من رفاهية الأزرار ليواجه استحقاقات الميدان، حيث التدريب القيادي لا يُلقن كنظريات، بل يُمارس كمسؤولية تجاه المجموعة، واتخاذ قرار تحت الضغط، وإدارة للأزمات الحقيقية لا الافتراضية.

إن تدريب المهارات الحياتية في بيئة خشنة هو الكفيل بصناعة إنسان "مكتفٍ بذاته"؛ يتعلم كيف يبني مأواه، كيف يوقد ناره، وكيف يحل مشكلاته بعقله ويديه. هذه المهارات هي التي تمنحه الثقة التي لا تهتز، والصلابة التي لا تنكسر أمام عثرات الطريق.

في الختام، إن هدفنا هو بناء جيل يمتلك "بوصلة أخلاقية" داخلية، جيل يدرك أن المرجلة ممارسة يومية في العطاء والإيثار. وحين يخرج الشاب من هذه المخيمات وقد صقلته التجربة، لن يضيره إن انقطع "النت" أو انقطع الدرب؛ لأنه صار هو "الدرب" وهو "الرجل" الذي تُشد به العزائم، ولتظل طريق الأنذال وعرةً دائماً، بعيدةً عن متناول من لم يعتد صعود الجبال