انتخابات الهيئات المحلية بين غياب البرامج وتحديات الاستدامة المالية: قراءة قانونية–استراتيجية في مستقبل الحكم المحلي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
انتخابات الهيئات المحلية بين غياب البرامج وتحديات الاستدامة المالية: قراءة قانونية–استراتيجية في مستقبل الحكم المحلي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
في لحظة اقتصادية بالغة الحساسية، تتجه الأنظار إلى انتخابات الهيئات المحلية باعتبارها استحقاقاً ديمقراطياً يفترض أن يشكّل مدخلاً لتعزيز الحكم الرشيد وتحسين جودة الخدمات العامة. غير أن القراءة المتأنية للمشهد الانتخابي تكشف عن اختلالات بنيوية مقلقة، في مقدمتها غياب البرامج الانتخابية الواضحة، وتراجع التنافس على أساس الرؤى والخطط، مقابل تصاعد الاعتبارات الشخصية والاجتماعية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مآلات هذا الاستحقاق وقدرته على إحداث تغيير حقيقي.
لا يمكن فصل هذا الواقع عن السياق الاقتصادي العام، حيث تواجه البلديات والمجالس المحلية تحديات مالية متراكمة، تتمثل في محدودية الإيرادات الذاتية، وضعف التحصيل، وتزايد الالتزامات التشغيلية، إضافة إلى الاعتماد النسبي على التحويلات والدعم الخارجي. وتشير المعطيات المتداولة في تقارير الحكم المحلي إلى أن بند الرواتب والأجور يستحوذ على نسبة مرتفعة من الموازنات، تتراوح في العديد من الهيئات بين 50% و70%، الأمر الذي يحدّ من القدرة على توجيه الموارد نحو مشاريع التنمية والبنية التحتية.
في هذا الإطار، يصبح غياب البرامج الانتخابية ظاهرة تستحق التوقف عندها بجدية. فمن الناحية المهنية، تشكّل البرامج أداة أساسية لقياس الأداء وتكريس مبدأ المساءلة. أما من الناحية القانونية، فإن جوهر العملية الانتخابية يقوم على تعاقد ضمني بين الناخب والمرشح، قوامه الالتزامات المعلنة التي يمكن الرجوع إليها عند التقييم والمحاسبة. وعليه، فإن غياب هذه البرامج يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها الرقابي، ويحوّلها إلى تفويض عام غير محدد المعالم.
الأمر الأكثر حساسية يتمثل في تنامي الانطباع بأن بعض الترشحات قد ترتبط باعتبارات وظيفية، في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة وارتفاع معدلات البطالة، بما قد يدفع إلى النظر إلى عضوية المجالس المحلية كفرصة للحصول على دخل ثابت. ورغم تفهم الدوافع الاجتماعية في سياق اقتصادي صعب، إلا أن هذا التوجه—إن صحّ—ينطوي على مخاطر جدية، أبرزها تضخم النفقات التشغيلية، وتراجع كفاءة تخصيص الموارد، وتغليب الاعتبارات الفردية على المصلحة العامة، بما يتعارض مع مبادئ الإدارة الرشيدة للمال العام.
من زاوية قانونية وإدارية، يثير هذا الواقع إشكاليات تتعلق بمدى الالتزام بقواعد الحوكمة، خاصة ما يتصل بالكفاءة والفعالية والشفافية. إذ إن تضخم بند الرواتب على حساب الإنفاق التطويري قد يشكّل إخلالاً بالتوازن الواجب في الموازنات العامة للهيئات المحلية، ويحدّ من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين. كما أن غياب الخطط المعلنة يضعف من أدوات الرقابة، سواء من قبل الجهات الرسمية أو المجتمع المحلي.
سياسياً واستراتيجياً، يعكس هذا المشهد تحدياً مزدوجاً: من جهة، تراجع ثقة المواطن بجدوى المشاركة في ظل غياب البدائل البرامجية، ومن جهة أخرى، محدودية قدرة المجالس المنتخبة—في حال استمرار هذه الأنماط—على إحداث نقلة نوعية في الأداء البلدي. وهو ما قد يفضي إلى حلقة مفرغة تتغذى فيها الأزمات الاقتصادية والإدارية، وتتعمق فيها فجوة الثقة بين المواطن ومؤسساته المحلية.
إن معالجة هذه التحديات تتطلب مقاربة إصلاحية متكاملة، تنطلق من إعادة الاعتبار للبرنامج الانتخابي كأداة إلزامية في الترشح، من خلال وضع أطر تنظيمية تشجع—أو تلزم—القوائم بتقديم خطط واقعية قابلة للقياس والتقييم. كما تقتضي تعزيز منظومة الرقابة والمساءلة، وتطوير آليات إدارة الموارد المالية، بما يحقق التوازن بين النفقات التشغيلية والاستثمارية. ولا يقل أهمية عن ذلك، ترسيخ ثقافة سياسية–مجتمعية قائمة على الاختيار الواعي المبني على الكفاءة والبرامج، لا على الاعتبارات الضيقة.
في المحصلة، تقف الهيئات المحلية اليوم أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على التحول من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول. فالانتخابات ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإنتاج قيادات قادرة على التخطيط والتنفيذ ضمن بيئة معقدة. ومن دون إعادة توجيه هذا المسار نحو المهنية والبرامجية والالتزام القانوني، فإن المخاطر لن تقتصر على الأداء البلدي، بل قد تمتد إلى بنية الثقة العامة ومفهوم الحكم المحلي برمّته.



