رحيل عبد الوهاب دراوشة

حمادة فراعنة

مارس 13, 2026 - 22:52
رحيل عبد الوهاب دراوشة

حمادة فراعنة

لم يكن مجرد نائب منتخب من المجتمع العربي الفلسطيني أبناء مناطق الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة.
كان قائدا سياسيا، حقيقيا وجادا، إنه عبد الوهاب دراوشة ابن قرية إكسال، شمال مرج ابن عامر، المحاذية لجبال الناصرة. بدأ حياته مدرساً، ومن ثم مديراً للمدرسة، ومن ثم مفتشاً للتربية.
انتمى في بداية نشاطه السياسي لحزب العمل الإسرائيلي، متوهماً مثل الكثيرين آنذاك أن حزب العمل مؤسس مشروع الصهيونية على أرض فلسطين، والذي صاغ الوثيقة السياسية الأولى، وهي بمثابة الدستور، أورد فبها أن المشروع الصهيوني "دولة لكل مواطنيها" على خلاف الواقع والممارسة، ولذلك توهم  بعض القادة من الفلسطينيين، أنهم يستطيعون تحقيق متطلبات الحياة الكريمة لشعبهم، فانخرط العديد منهم في صفوف حزب العمل، من أجل متطلبات شعبهم في المساواة، رغم إدراكهم للممارسة العملية ونهج التمييز السائد.
في عام 1984، نجح الدراوشة عن قائمة حزب العمل لعضوية البرلمان- الكنيست، ولكن على إثر الانتفاضة الاولى، وسياسة " تكسير العظام" دفعته للاستقالة من حزب العمل عام 1988، وشكل أول حزب عربي في مناطق 48، مع صديقه ورفيقه ابن النقب المحامي طلب الصانع، ونجحا لعضوية الكنيست عام 1992.
عرفني عليه القائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في غزة، واصطحبني معه إلى  قريته اكسال، وأكرمني بدعوة قيادات المجتمع العربي الفلسطيني على شرف زيارتي، بهدف التعرف المتبادل، ومنها وبعدها توطدت العلاقة الأخوية بيننا، والتعاون من أجل القضية التي نعمل معا لأجلها.
دعوته إلى الأردن مع وفد الحزب الديمقراطي العربي، واستقبلنا الراحل الكريم الملك حسين بالترحاب والتقدير، وبناء على طلب الدراوشة ومبادرته، استجاب الراحل صاحب الأفق وسعة الصدر والانحياز القومي الملك حسين، بفتح أبواب الجامعات الأردنية للطلبة الفلسطينيين من أبناء مناطق 48، وحصل الحزب على منحة ملكية بخمسة عشر مقعداً، وكانت تلك بداية نالت بسببها الأحزاب العربية، من بعده، بمكرمة ملكية مماثلة لكل حزب عربي، بصرف النظر عن فكره ومواقفه: يسارية او قومية او إسلامية، المهم ان يكون في الخندق الوطني ضد الاحتلال.
تخرّج أولاد قيادات المجتمع العربي الفلسطيني من الجامعات الأردنية: عبد الوهاب دراوشة، محمد بركة، أحمد الطيبي، وغيرهم العشرات من رؤساء البلديات ونواب الكنيست.
الذين تخرجوا من الجامعات الأردنية تقريباً عام 2000، أطباء ومهندسون ومحامون ومدرسون يشكلون اليوم بعد 25 سنة، قادة المجتمع العربي الفلسطيني، حيث انعكس ذلك على تعزيز توجهاتهم الوطنية والقومية والاسلامية، وتعميقها وتصليبها.
وهذا الذي جعل أبناء المجتمع العربي الفلسطيني يصوت منهم عام 1992 حوالي 56 % لصالح الاحزاب الصهيونية، والتراجع  نحو آخر انتخابات لم يتجاوز 13%، وهذا التراحع  يعود الفضل فيه أولاً إلى الحزب الشيوعي وجبهته الديمقراطية، وثانيا إلى الحزب الديمقراطي العربي الذي رفع شعاراً منذ تأسيسه: الصوت العربي للحزب العربي.
عام 1996، شكل القائمة الموحدة مع الحركة الإسلامية وقائدها العبقري الراحل عبد الله نمر درويش، ونجحا معا بأربعة مقاعد مناصفة، وسجلا أول تحالف جدي بين الأحزاب العربية، لخوض انتخابات الكنيست، وأصبحت ظاهرة ومطلب المجتمع العربي الفلسطيني.
ولذلك، وعبر هذه المبادرات: 1. تشكيل أول حزب عربي، 2. بناء العلاقة مع الأردن التي شكلت مقدمة نحو العلاقة مع سوريا واليمن وليبيا، وكنت شريكا في تلك الزيارات ومعدّاً لها،3. فتح أبواب الجامعات الاردنية لطلبة مناطق 48، 4. بناء تحالفات انتخابية في مواجهة الاحزاب الصهيونية، سجل عبد الوهاب دراوشة أنه قائد حقيقي وجاد لشعبه، حاملاً مضامين وتطلعات الشعب الفلسطيني بمكوناته الثلاثة، حاملاً أهدافه المثلثة: 1- المساواة، 2- الاستقلال، 3- العودة.
 رحيل عبد الوهاب دراوشة خسارة لأسرته وشعبه، ولكن الأثر الذي تركه والذي أنجزه، حقق لنفسه ولأسرته ولشعبه الافتخار والاحترام ومسار النضال من أجل مستقبل أفضل للشعب الفلسطيني رغم الظروف الصعبة القاسية، ورغم ما يتعرض له من مآسٍ ومجازر وبطش من قبل المستعمرة وفريقها الحاكم الأكثر تطرفاً سياسياً ودينياً.