القدس الحزينة
بهاء رحال
بهاء رحال
تمشّى صديقي في شوارع القدس قاطعًا مسافةً من الود على قدميه بعد أن ترجل من الحافلة التي أقلّته من بيت لحم، وعندما التقاني في صباح اليوم التالي راح يخبرني عن وجع المدينة وحالها البائس، وما رأت عيناه في الوقت القصير الذي شاهدها فيه. مثل مدينة يتيمة، فارغة شوارعها وأسواقها، ومغلقة مساجدها وكنائسها، وممنوعة عن محيطها بعد أن لفّها جدار الفصل العنصري، والقرارات الأخيرة الرامية إلى جعلها مدينة منسية. مدينة نكبها الأعداء والأصدقاء، متروكة لوحدها تصارع وقتها وزمانها، وتواجه النكبات والأزمات بمفردها.
القدس على غير عادتها في مثل هذا الشهر الفضيل، حيث كانت تزدهر طيلة أيام شهر رمضان، وتزدحم طرقها وأحياؤها وحاراتها بالزائرين والمصلين، وكان ليلها كنهارها مشبعًا بالحياة بوجوه المارة وتزاحم خطى المؤمنين والسائرين من الزائرين، ونداءات القلوب التي تنبض فرحًا كلما جاءت لزيارتها.
القدس هذه الأيام تعيش واقعًا منكوبًا، ويعيش أهل المدينة بين عذابات العزلة وعثرات الحصار والجدار وسياسات التهويد وفرض واقع مختل، لا يشبه طابع المدينة، ولا يشبه ناسها وأهلها وأصحابها.
كان صديقي قد حظي بتصريح لأغراض طبية، ولو لم يحصل عليه لما شاهد القدس هذه الأيام وهي تئن من وجع الوحدة والفراغ، ولما حدثني عن واقع المدينة الصعب الذي رآه في الدقائق القليلة التي استطاع فيها مصافحة المدينة وعناقها.
أن ترى القدس على هذا الحال يعني تجدد النكسة وتتابع النكبة، كما يعني نذير بؤس أكبر من أي شيء آخر، قالها صديقي ومشى تاركًا وراءه هذه الصورة الحزينة لمدينة ما كان لها أن تكون بهذا الحال الذي صارت عليه.
ثم ما أن غادرني الصديق تذكرت بعض الأبيات من قصيدة الشاعر العربي السوري نزار قباني "القدس"، والتي يقول فيها:
يا قدس.. يا مدينتي
يا قدس.. يا حبيبتي
غداً.. غداً.. سيزهر الليمون
وتفرح السنابل الخضراء والزيتون
وتضحك العيون..
وترجع الحمائم المهاجرة..
إلى السقوف الطاهرة
ويرجع الأطفال يلعبون
ويلتقي الآباء والبنون
على رباك الزاهرة..
يا بلدي..
يا بلد السلام والزيتون



