حين تتجاوز التصريحات حدود الشراكة: السيادة ليست محل ابتزاز سياسي

د. عبد الرحيم جاموس

مارس 13, 2026 - 22:51
حين تتجاوز التصريحات حدود الشراكة: السيادة ليست محل ابتزاز سياسي

د. عبد الرحيم جاموس

أثارت التصريحات التي أطلقها السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام Lindsey Graham، والتي هاجم فيها  المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، ودعا إلى إلغاء صفقات عسكرية مع المملكة، تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقات الدولية وحدود الشراكات الاستراتيجية في عالم يفترض أن تحكمه المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، لا منطق التهديد والابتزاز السياسي.

فاللغة التي حملتها تلك التصريحات تتجاوز إطار الجدل السياسي المشروع، لتقترب من خطاب ضغط يفتقر إلى اللياقة الدبلوماسية ويصطدم بروح القانون الدولي وأعراف العلاقات بين الدول ذات السيادة. وهي في الوقت ذاته تعكس فهماً قاصراً لطبيعة العلاقات الاستراتيجية التي قامت بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة طوال عقود، والتي لم تُبنَ على أساس التبعية، بل على قاعدة المصالح المشتركة والتوازنات الجيوسياسية.

لقد شكلت هذه العلاقة، منذ منتصف القرن العشرين، أحد أعمدة الاستقرار النسبي في منطقة مضطربة، وأسهمت المملكة بدور محوري في استقرار أسواق الطاقة العالمية وفي دعم الاقتصاد الدولي.

 كما كانت الرياض شريكاً فاعلاً في معالجة العديد من الأزمات الإقليمية والدولية، انطلاقاً من رؤية تقوم على تعزيز الاستقرار وتجنب الانزلاق إلى صراعات واسعة النطاق.

ومن هنا فإن اختزال هذه العلاقة المركبة في مجرد صفقات سلاح، أو التعامل معها بوصفها أداة للضغط السياسي، يتجاهل حقيقة أن تلك الصفقات ليست منحة من طرف إلى آخر، بل جزء من منظومة مصالح اقتصادية متبادلة.

 فالصناعات الدفاعية الأمريكية تستفيد من هذه الاتفاقيات عبر دعم استثماراتها وتوفير فرص العمل داخل الاقتصاد الأمريكي، كما تستفيد المملكة من تنويع مصادر تسليحها وتعزيز قدراتها الدفاعية في منطقة تعيش تحديات أمنية متشابكة.

أما سياسياً، فإن الدول المستقلة لا تُدار قراراتها الاستراتيجية وفق رغبات الآخرين أو حساباتهم الانتخابية الداخلية، بل وفق تقديرها لمصالحها الوطنية وأمنها القومي.

 ومن هذا المنطلق فإن أي محاولة لدفع دول الخليج إلى الانخراط في صراعات لا ترى أنها تخدم استقرارها أو مصالح شعوبها، تتعارض مع أبسط مبادئ السيادة الوطنية.

وعلى الصعيد القانوني، فإن النظام الدولي الذي أرسته مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، يقوم على احترام سيادة الدول والمساواة بينها، ورفض أي شكل من أشكال الإكراه السياسي أو الاقتصادي. 

وبالتالي فإن التلويح بإلغاء اتفاقيات أو استخدام الشراكات الاقتصادية والعسكرية كورقة ضغط يتعارض مع روح العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والتوازن في المصالح.

وفي البعد الاجتماعي والسياسي، فإن مثل هذه التصريحات لا تُستقبل في العالم العربي إلا بالرفض والاستنكار، بل وبقدر كبير من الاشمئزاز السياسي والأخلاقي، لأنها تعكس خطاباً متعالياً لا ينسجم مع طبيعة العلاقات بين الحلفاء ولا مع التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي. 

فشعوب المنطقة باتت أكثر وعياً بحقيقة مصالحها، وأكثر تمسكاً بسيادة دولها وكرامتها الوطنية.

ومن هنا تبرز مسؤولية الإدارة الأمريكية في توضيح موقفها من مثل هذه التصريحات، ورفض الخطاب السياسي الذي يتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية أو يمس سيادة الدول الصديقة والحليفة.

 فاستمرار الصمت إزاء مثل هذه المواقف قد يُفهم على أنه قبول ضمني بخطاب لا يخدم العلاقات الاستراتيجية بين الجانبين ولا يعزز الثقة المتبادلة.

إن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي اليوم ليست مجرد أطراف في معادلات إقليمية، بل هي قوى اقتصادية مؤثرة في أسواق الطاقة والاستثمار العالمي، وتمتلك رؤى تنموية واستراتيجية طموحة تسعى إلى بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لشعوبها والمنطقة بأسرها.

وفي عالم يتجه بثبات نحو تعددية الأقطاب، لم يعد ممكناً إدارة العلاقات الدولية بعقلية الإملاء أو الهيمنة، بل بمنطق الشراكة المتكافئة والاحترام المتبادل. 

فالشراكات التي تقوم على هذا الأساس وحده هي القادرة على الاستمرار، أما تلك التي تُدار بلغة التهديد والضغط، فإنها لا تضعف الدول المستهدفة بقدر ما تضعف الثقة في الشراكة ذاتها وتثير تساؤلات جدية حول مستقبلها.