إسرائيل ومحاولة جرّ المنطقة إلى مواجهة مع إيران
المحامي علي أبو حبلة
إسرائيل ومحاولة جرّ المنطقة إلى مواجهة مع إيران
المحامي علي أبو حبلة
تدخل المواجهة العسكرية بين إسرائيل وامريكا مع إيران مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً مع استمرار العمليات العسكرية واتساع تداعياتها الإقليمية، في ظل محاولات أمريكية وإسرائيلية واضحة لتحقيق اختراق سريع يمنع تحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل ومكلف. غير أن مسار الأحداث حتى الآن يشير إلى أن الحسابات العسكرية والسياسية قد تكون أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً، وأن المنطقة قد تكون أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، جاءت التحذيرات اللافتة التي أطلقها رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني، والتي دعا فيها دول الخليج إلى عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران، محذراً من الوقوع في فخ توسيع الحرب إقليمياً. وتعكس هذه التصريحات إدراكاً متزايداً في العواصم الخليجية بأن أي انخراط مباشر في الصراع قد يفتح الباب أمام تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة، قد تتجاوز حدود المواجهة بين إسرائيل وامريكا وإيران لتطال استقرار المنطقة بأكملها.
يبدو واضحاً أن كلاً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعيان إلى تحقيق إنجاز عسكري أو سياسي سريع يمنع الحرب من التحول إلى مواجهة طويلة الأمد. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الحروب الممتدة غالباً ما تؤدي إلى تآكل المكاسب العسكرية وتزايد الخسائر السياسية والاقتصادية.
ومن هنا، برز تركيز واضح على استهداف البنية الاقتصادية الإيرانية، ولا سيما قطاع النفط الذي يشكل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الإيراني. إن توجيه ضربات لمنشآت الطاقة أو تعطيل قدرة إيران على تصدير النفط لا يهدف فقط إلى تقليص مواردها المالية، بل يسعى أيضاً إلى إحداث ضغط داخلي قد ينعكس على استقرار النظام السياسي في طهران.
غير أن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات كبيرة، إذ إن إيران – رغم الضربات العسكرية الواسعة – لم تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على انهيار داخلي أو تصدعات جوهرية في بنيتها السياسية، بل ما زالت قادرة على الرد وإبقاء الجبهة الإسرائيلية تحت ضغط الصواريخ، وهو ما يعزز المخاوف الإسرائيلية من تحول الحرب إلى حرب استنزاف طويلة.
داخل إسرائيل نفسها، بدأت أصوات تحذر من مغبة الانجرار إلى حرب مفتوحة وغير محسوبة النتائج. فقد حذر الجنرال الإسرائيلي السابق يائير غولان من تداعيات الحرب التي دفعت بها الحكومة الإسرائيلية، معتبراً أن استمرارها دون أفق سياسي واضح قد يقود إلى نتائج عكسية. كما حذر الباحث في جامعة تل أبيب ميخائيل ميليشتاين من الوقوع في أوهام “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، مؤكداً أن الإنجازات العسكرية لا تكفي وحدها لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
أما الكاتب الإسرائيلي بن درور يميني فقد أطلق تحذيراً لافتاً من تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن أي انتصار عسكري قد يتحول مع مرور الوقت إلى خسارة استراتيجية إذا استمر هذا التآكل في التأييد الأمريكي.
في موازاة ذلك، تبدو إحدى الرهانات الإسرائيلية قائمة على توسيع نطاق الحرب عبر إشراك أطراف إقليمية فيها، ولا سيما بعض دول الخليج. ويستند هذا التصور إلى الاعتقاد بأن فتح جبهات إضافية قد يزيد الضغط على إيران ويدفعها إلى التراجع.
لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن أي مواجهة مباشرة بين إيران ودول الخليج قد تهدد أمن الطاقة العالمي وتعرّض البنية التحتية النفطية في المنطقة لضربات انتقامية، فضلاً عن احتمال تعطل الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، الأمر الذي قد ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره.
أما على صعيد القضية الفلسطينية، فإن هذه الحرب قد تحمل تداعيات مباشرة وغير مباشرة. فمن جهة، قد تحاول إسرائيل استغلال الانشغال الدولي بالحرب مع إيران لتوسيع عملياتها العسكرية في قطاع غزة وتشديد قبضتها الأمنية في الضفة الغربية، في إطار سياسة تهدف إلى منع أي تصعيد قد يتزامن مع المواجهة الإقليمية.
كما قد تسعى حكومة بنيامين نتنياهو إلى توظيف الحرب سياسياً لإعادة ترتيب المشهد الداخلي في إسرائيل بعد تداعيات أحداث السابع من أكتوبر، ومحاولة نقل مركز الاهتمام من الحرب في غزة إلى صراع إقليمي أوسع.
وفي الضفة الغربية، من المرجح أن تتصاعد الإجراءات الأمنية والعسكرية، بما في ذلك تكثيف الاقتحامات والتضييق الاقتصادي، في محاولة لمنع انفجار الأوضاع في ظل حالة التوتر الإقليمي المتصاعدة.
إن المواجهة الحالية بين إسرائيل وإيران لا تمثل مجرد صراع عسكري بين دولتين، بل تعكس صراعاً أوسع على شكل النظام الإقليمي ومستقبل موازين القوى في الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى تحقيق حسم سريع يمنع الاستنزاف، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الطريق نحو هذا الحسم محفوف بالمخاطر والتعقيدات.
وبين حسابات الحسم العسكري ومخاطر الاستنزاف الطويل، تبدو المنطقة اليوم أمام لحظة تاريخية قد تحدد شكل الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة، في وقت تبقى فيه القضية الفلسطينية العامل الأكثر تأثيراً في استقرار المنطقة وأمنها، مهما تعددت الصراعات وتشابكت الأزمات.



