إيران وأميركا: أيّ تنازلات ممكنة بين منطق الردع وحسابات التسوية؟
بقلم المحامي علي أبو حبلة
إيران وأميركا: أيّ تنازلات ممكنة بين منطق الردع وحسابات التسوية؟
بقلم المحامي علي أبو حبلة
في ظل التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران، يعود الملف النووي إلى صدارة المشهد الدولي، مترافقاً مع خطاب تهديدي متبادل وتحركات سياسية مكثفة. غير أن القراءة الهادئة للمشهد تشير إلى أن الطرفين، رغم رفع سقف التصريحات، يدركان أن الحرب الشاملة ليست خياراً مفضلاً، وأن التفاوض ـ وإن كان تحت الضغط ـ يبقى المسار الأكثر واقعية.
السياسة الأميركية تجاه طهران ما زالت تستند إلى فلسفة «الضغط الأقصى» التي أعقبت الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018. تقوم هذه السياسة على مزيج من العقوبات الاقتصادية المشددة والتهديد الضمني بالخيار العسكري، بهدف دفع إيران إلى تقديم تنازلات تتجاوز الإطار النووي إلى ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
إلا أن التجربة أثبتت أن رفع سقف المطالب إلى هذا الحدّ يجعل أي اتفاق شامل أمراً بالغ التعقيد. فواشنطن، وإن كانت تسعى إلى تقليص قدرات إيران النووية إلى أدنى حدّ ممكن، تدرك أن الذهاب إلى مواجهة عسكرية واسعة سيحمّلها كلفة استراتيجية واقتصادية كبيرة، في وقت تنشغل فيه بملفات دولية أكثر إلحاحاً.
في المقابل، تعتمد طهران سياسة مزدوجة: الصمود في وجه الضغوط، مع إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة. فهي ترفض أن تبدو في موقع المنكسر، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تفضي إلى نتائج غير محسوبة. وعليه، تبدو التنازلات الممكنة من الجانب الإيراني محصورة في الإطار النووي الفني، كخفض مستويات التخصيب أو توسيع آليات الرقابة الدولية، مقابل رفع تدريجي ومدروس للعقوبات.
السيناريو الأقرب إلى الواقعية يتمثل في تفاهم مرحلي، لا يرقى إلى اتفاق كامل، لكنه يمنع الانفجار. تفاهم يقوم على قاعدة «خطوة مقابل خطوة»: تخفيف محدود للعقوبات النفطية والمالية، يقابله التزام إيراني بسقوف تخصيب واضحة وإجراءات تحقق صارمة. مثل هذا المسار لا يحل جذور الخلاف، لكنه يضبط إيقاعه ويمنع تحوله إلى صدام مباشر.
غير أن حدود التنازل واضحة لدى الطرفين. إيران لن تقبل بتفكيك بنيتها النووية أو المساس بمنظومتها الدفاعية الاستراتيجية، فيما لن تقبل الولايات المتحدة بإيران تمتلك قدرة نووية كامنة من دون قيود صارمة وضمانات دولية. ومن هنا، فإن أي تسوية محتملة ستبقى هشة بطبيعتها، قابلة للاهتزاز مع تغير الإدارات أو تبدل موازين القوى.
في المحصلة، المشهد ليس اندفاعة نحو حرب شاملة، بل هو صراع إرادات يُدار بأدوات الضغط والردع. والمرجّح أن يستمر الطرفان في اختبار حدود بعضهما البعض، بحثاً عن تسوية تحفظ ماء الوجه وتحقق مكاسب نسبية.
إن الاستقرار الإقليمي يتطلب مقاربة عقلانية توازن بين متطلبات الأمن الدولي وحق الدول في التنمية السلمية، بعيداً عن سياسات الإقصاء والمغامرة. فالمنطقة لم تعد تحتمل صراعاً واسعاً جديداً، وأي انفجار لن تتوقف تداعياته عند حدود دولتين، بل سيمتد أثره إلى الإقليم بأسره.





