ذكرى الوحدة المصرية–السورية: من تجربة تاريخية إلى ضرورة استراتيجية في زمن التهديدات الوجودية

المحامي علي أبو حبلة

فبراير 10, 2026 - 18:17
ذكرى الوحدة المصرية–السورية: من تجربة تاريخية إلى ضرورة استراتيجية في زمن التهديدات الوجودية

ذكرى الوحدة المصرية–السورية: من تجربة تاريخية إلى ضرورة استراتيجية في زمن التهديدات الوجودية
تحلّ ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة في الثاني والعشرين من شباط/فبراير 1958، لتعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر التجارب القومية العربية جرأة وتأثيرًا في التاريخ الحديث، حين توحدت مصر وسوريا في مشروع وحدوي عبّر عن إرادة شعبية عربية جامعة، واستجابة مباشرة لتحديات الاستعمار والهيمنة الخارجية ومخاطر تفتيت المنطقة.
لم تكن تلك الوحدة حدثًا عابرًا أو انفعالًا عاطفيًا، بل جاءت في سياق صراع مفتوح على مستقبل الأمة العربية، وطرحت آنذاك نموذجًا سياسيًا جديدًا قوامه السيادة والاستقلال والقرار العربي المشترك. ورغم قصر عمر التجربة، فإنها بقيت مرجعية فكرية وسياسية تؤكد أن الوحدة ليست مستحيلة، بل مشروع قابل للتحقق حين تتوافر الإرادة السياسية والظروف الموضوعية.
انعطافة إقليمية خطرة
تأتي هذه الذكرى اليوم في ظل تحولات إقليمية غير مسبوقة، تتجلى في تفكك الدولة الوطنية، وتآكل السيادة، وتغوّل التدخلات الخارجية، إلى جانب حرب مفتوحة على القضية الفلسطينية، تسعى إلى فرض حلول قسرية تتجاوز القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وفي قلب هذه التحولات، تتصاعد الهيمنة الأمريكية–الصهيونية عبر إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، من خلال:
فرض وقائع جديدة بالقوة، خصوصًا في فلسطين.
تفريغ مفهوم الأمن القومي العربي من مضمونه الجماعي.
استنزاف مقدرات وثروات الدول العربية.
استثمار الانقسامات الداخلية لإدامة التفوق الإسرائيلي.
الوحدة العربية: ضرورة أمن قومي
لم تعد الوحدة العربية اليوم شعارًا أيديولوجيًا أو ترفًا فكريًا، بل باتت ضرورة استراتيجية لحماية الأمن القومي العربي. فقد أثبتت التجربة أن الدول العربية، في حالتها القطرية المنفصلة، عاجزة عن مواجهة التحديات الكبرى، أو الدفاع عن مصالحها، أو حماية قضاياها المركزية.
إن استعادة مشروع الوحدة، ولو بصيغ تدريجية وتكاملية، تمثل:
إطارًا جامعًا لمواجهة مشاريع التفتيت والضم.
أداة سياسية واقتصادية لتعزيز الاستقلال والقرار السيادي.
ركيزة لحماية القضية الفلسطينية من التصفية.
مدخلًا لإعادة التوازن في النظام الإقليمي.
مسؤولية المؤتمر القومي والفعاليات الوحدوية
مع اقتراب ذكرى الوحدة المصرية–السورية، تبرز الحاجة إلى تحرك عملي من قبل المؤتمر القومي العربي والقوى الوحدوية، يتجاوز الإحياء الرمزي إلى فعل سياسي منظم، عبر:
الدعوة إلى التقاء الفعاليات الوحدوية العربية في مكان وزمان محددين لإحياء الذكرى.
تنظيم احتفالية قومية مركزية تستحضر التجربة ودروسها.
توجيه نداء مفتوح إلى الوحدويين العرب لإحياء المناسبة بفعاليات متزامنة.
إصدار بيانات سياسية موحدة تؤكد أن الوحدة خيار استراتيجي لا بديل عنه.
مطالبة وسائل الإعلام والميادين بإعداد برامج خاصة تربط بين تجربة الأمس وتحديات اليوم.
دروس التجربة وآفاق المستقبل
تؤكد تجربة الوحدة المصرية–السورية أن أي مشروع وحدوي معاصر يجب أن يقوم على:
التدرج والتكامل لا القفز فوق الواقع.
احترام الخصوصيات الوطنية ضمن إطار قومي جامع.
بناء مؤسسات مشتركة قادرة على الاستمرار.
ربط الوحدة بالتنمية والعدالة الاجتماعية.
جعل فلسطين بوصلة المشروع الوحدوي ومحوره المركزي.
خاتمة
في زمن تُستباح فيه الأراضي، وتُنهب الثروات، وتُفرض الخرائط بالقوة، يصبح استحضار ذكرى الوحدة المصرية–السورية فعلًا سياسيًا مقاومًا، لا مجرد مناسبة تاريخية. فالوحدة العربية اليوم لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وجودية لحماية الأمن القومي العربي، واستعادة الدور العربي، وصون مستقبل الأجيال القادمة.
إعداد:
المحامي علي أبو حبلة
باحث في الشأن السياسي والقانوني
رئيس تحرير صحيفة “صوت العروبة”