حماية صحة الإنسان الفلسطيني واجب وطني وقانوني

الأجهزة الأمنية في مواجهة تجار الأزمات والمواد الغذائية الفاسدة

فبراير 10, 2026 - 18:16
حماية صحة الإنسان الفلسطيني واجب وطني وقانوني

حماية صحة الإنسان الفلسطيني واجب وطني وقانوني
الأجهزة الأمنية في مواجهة تجار الأزمات والمواد الغذائية الفاسدة
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وما يرافقها من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة، تتعاظم المسؤولية الوطنية والقانونية في حماية صحة الإنسان الفلسطيني، باعتبارها حقًا أصيلًا لا يقبل المساومة أو الاستغلال، خصوصًا في أوقات الحروب والحصار، حيث تتحول لقمة العيش لدى البعض إلى أداة للربح غير المشروع على حساب صحة المواطنين.
وفي هذا السياق، تُسجَّل للأجهزة الأمنية الفلسطينية، وعلى رأسها الضابطة الجمركية، جهود ميدانية مكثفة في متابعة الأسواق، ومراقبة حركة البضائع، وضبط ومصادرة كميات كبيرة من المواد التموينية الفاسدة والمنتهية الصلاحية في عدد من مدن الضفة الغربية، خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك، وهو ما يعكس حسًا عاليًا بالمسؤولية الوطنية وحماية المصلحة العامة.
ضبط البضائع الفاسدة: جريمة بحق المجتمع
تشير الوقائع الميدانية إلى أن جزءًا من هذه البضائع كان معدًا للإرسال إلى أهلنا في قطاع غزة،  إلا أن منع الاحتلال إدخالها أدى إلى انتهاء صلاحيتها، الأمر الذي دفع بعض التجار – ممن غابت عنهم الضمائر والمسؤولية الأخلاقية – إلى محاولة إدخالها إلى أسواق الضفة الغربية ومحاولات إدخالها إلى غزة بدلًا من إتلافها وفق الأصول القانونية، في سلوك يشكل انتهاكًا صارخًا لصحة المواطن واعتداءً على القيم الوطنية.
إن بيع مواد غذائية فاسدة أو منتهية الصلاحية لا يمثل فقط مخالفة تجارية، بل يرقى إلى مستوى الجريمة المجتمعية، لما يحمله من مخاطر صحية جسيمة، لا سيما على الأطفال وكبار السن والمرضى، ويكشف بوضوح عن نمط خطير من تجار الأزمات الذين يستغلون ظروف الحرب والحصار لتحقيق مكاسب ضيقة.
الأمن الغذائي جزء من الأمن الوطني
لقد أثبتت هذه الوقائع أن الأمن الغذائي يشكل ركيزة أساسية من ركائز الأمن الوطني، وأن حماية السوق الفلسطيني من الغش والفساد لا تقل أهمية عن أي مواجهة سياسية أو ميدانية، خاصة في ظل سعي الاحتلال لتفكيك مقومات الصمود الداخلي وإضعاف البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني.
وتأتي جهود الضابطة الجمركية والأجهزة الرقابية كخط دفاع أول في مواجهة ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحروب»، حيث تتحول المعاناة الإنسانية إلى فرصة للاستغلال، وهو ما يستوجب مواجهة حازمة على المستويين الأمني والقانوني.
الإطار القانوني الناظم والمساءلة
من الناحية القانونية، يكفل القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 الحق في الرعاية الصحية، ويلزم السلطة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية صحة الإنسان، باعتبارها حقًا دستوريًا لا يجوز المساس به تحت أي ظرف.
كما يُجرّم قانون حماية المستهلك الفلسطيني رقم (21) لسنة 2005 صراحة تداول أو بيع أو تخزين المواد الغذائية الفاسدة أو المنتهية الصلاحية، ويحمّل التاجر المسؤولية القانونية الكاملة عن سلامة المنتج، مع منح الجهات المختصة صلاحية المصادرة والإتلاف وإغلاق المنشآت المخالفة، وفرض عقوبات بالحبس والغرامة، خاصة في حال التكرار.
ووفقًا لأحكام قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 الساري في الضفة الغربية، فإن تعريض صحة المواطنين للخطر من خلال تداول مواد ضارة يُعد جريمة تمس السلامة العامة، وتُشدد العقوبة في حال نتج عنها أذى جسدي أو مرض أو وفاة، ما يفتح الباب أمام مسؤولية جزائية مشددة بحق المتورطين.
صلاحيات الأجهزة الرقابية ودورها
يمنح القانون الفلسطيني الضابطة الجمركية والأجهزة الرقابية صلاحيات واسعة في الضبط والتفتيش والمصادرة، وإحالة المخالفين إلى النيابة العامة، بالتنسيق مع وزارتي الاقتصاد الوطني والصحة، بما يضمن حماية السوق المحلي ومنع تسلل البضائع الفاسدة، خاصة في المواسم الحساسة.
ولا تقتصر المسؤولية على الجانب الجزائي فحسب، بل تمتد إلى المسؤولية المدنية، حيث يحق للمتضررين المطالبة بالتعويض عن الأضرار الصحية والمادية والمعنوية التي لحقت بهم نتيجة هذه المخالفات.
شراكة مجتمعية لمواجهة الظاهرة
إن نجاح الجهود الرسمية يتطلب شراكة حقيقية مع المجتمع، تقوم على رفع الوعي بحقوق المستهلك، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن أي مواد مشبوهة، باعتبار ذلك واجبًا وطنيًا وقانونيًا يسهم في حماية الصحة العامة.
تحية وتقدير
إن ما تقوم به الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وفي مقدمتها الضابطة الجمركية، يؤكد أن هناك عيونًا ساهرة تعمل بصمت لحماية صحة المواطن، وترسيخ سيادة القانون، ومنع تحويل معاناة الشعب إلى سلعة في سوق الاستغلال.
خاتمة
في زمن الأزمات، تتضح المواقف وتسقط الأقنعة.
فمن يحمي صحة شعبه يؤدي واجبه الوطني،
ومن يتاجر بمرض الناس يرتكب جريمة لا تسقط بالتقادم الأخلاقي أو القانوني.
كل التحية والتقدير للأجهزة الأمنية الفلسطينية – العيون الساهرة