معركة الوعي في مواجهة حرب الإعلام
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
معركة الوعي في مواجهة حرب الإعلام
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد المعارك تُخاض بالسلاح وحده، بل باتت حرب الوعي والإعلام إحدى أخطر ساحات الصراع الحديثة. فالتضليل الإعلامي، والتضخيم المتعمد، وتشويه الحقائق، أصبحت أدوات مركزية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه الرأي العام، وإرباك المجتمعات، خاصة تلك الواقعة تحت الاحتلال أو الاستهداف السياسي المنظم، كما هو حال الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية.
في هذا السياق، تبرز الدراية الإعلامية والمعلوماتية (Media and Information Literacy – MIL) كحاجة وطنية واستراتيجية، لا كمفهوم تربوي أو ثقافي فحسب. وهي منظومة من الكفاءات التي تمكّن المواطن من البحث عن المعلومات، والوصول إليها، وتقييمها نقدياً، واستخدامها بمسؤولية، بما يحدّ من تأثير الأخبار الكاذبة، والمعلومات المضللة، وخطاب الكراهية والتحريض.
من الوعي الفردي إلى الأمن المعرفي
تؤكد منظمة اليونسكو أن الدراية الإعلامية والمعلوماتية تمثل ركيزة أساسية لبناء مواطن فاعل، قادر على التفاعل الآمن مع الإعلام التقليدي والرقمي. غير أن أهمية هذه المهارات تتضاعف في البيئات التي تتعرض إلى حروب نفسية وإعلامية ممنهجة، حيث يصبح الوعي الفردي جزءاً من منظومة الأمن المعرفي للمجتمع.
فالتضليل لم يعد عشوائياً، بل بات يُدار عبر:
جيوش إلكترونية وحسابات وهمية،
خوارزميات تضخّم محتوى محدداً وتهمّش آخر،
حملات تشويش فكري تهدف إلى حرف البوصلة عن القضايا الجوهرية،
استثمار العاطفة والخوف والإحباط لإضعاف الثقة بالذات وبالمؤسسات وبالحقيقة.
أهمية الدراية الإعلامية والمعلوماتية
تتجلى أهمية هذه الدراية في عدة مستويات مترابطة:
تعزيز التفكير النقدي: الانتقال من الاستهلاك السلبي للمحتوى إلى تحليله وفهم سياقه وأهدافه.
مواجهة التضليل الإعلامي: التمييز بين الخبر والمعلومة والرأي والدعاية.
ترسيخ المواطنة الرقمية: ممارسة التعبير الحر المسؤول دون الوقوع في فخ التحريض أو الانقسام الداخلي.
حماية المجتمع: الحد من تأثير المحتوى المتطرف والعنيف والموجَّه نفسياً.
اتخاذ قرارات واعية: بناء المواقف السياسية والاجتماعية على معلومات موثوقة لا على إشاعات أو انطباعات.
أبعاد الدراية الإعلامية والمعلوماتية
تقوم هذه الدراية على أربعة أبعاد أساسية:
الوصول إلى المعلومات من مصادر متعددة وموثوقة.
التقييم النقدي لمصداقية المحتوى والجهة المنتجة له.
الاستخدام المسؤول للمعلومات في إنتاج معرفة أو خطاب إعلامي واعٍ.
الأخلاقيات المرتبطة بالنشر، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير، والمسؤولية القانونية.
حرب الوعي في السياق الفلسطيني
في الحالة الفلسطينية، تتجاوز معركة الإعلام حدود نقل الخبر إلى إعادة تعريف الرواية. فالتضليل الإعلامي يسعى إلى:
تمييع الحقائق،
قلب دور الضحية والجلاد،
إغراق الفضاء الرقمي بمحتوى مشتت يُضعف التركيز على جوهر الصراع،
ضرب الثقة بالرواية الوطنية عبر التشكيك والتخوين وبث الإحباط.
من هنا، يصبح الوعي الإعلامي خط دفاع أول، ويغدو كل مواطن واعٍ شريكاً في حماية الرواية، لا مجرد متلقٍ لها.
خاتمة
إن الدراية الإعلامية والمعلوماتية لم تعد ترفاً معرفياً، بل ضرورة استراتيجية في زمن تُدار فيه الحروب بالعقول قبل البنادق. فالمعركة اليوم هي على الوعي، ومن يمتلك القدرة على التمييز والتحليل والنقد، يمتلك القدرة على الصمود. وفي مواجهة التضليل والتضخيم، يبقى الوعي هو السلاح الأنجع، وحماية العقل الجمعي هي المدخل الحقيقي لحماية القضية والإنسان معاً.



