تكريم المعلمين المتقاعدين في طولكرم: حين يستعيد المجتمع بوصلته نحو القيمة والمعنى
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تكريم المعلمين المتقاعدين في طولكرم: حين يستعيد المجتمع بوصلته نحو القيمة والمعنى
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
جاء احتفال محافظة طولكرم بتكريم المعلمين والمعلمات المتقاعدين الأسبق سنًا كحدث يتجاوز الطابع البروتوكولي، ليعيد الاعتبار إلى شخصيات حملت على مدى عقود رسالة التعليم دون ضجيج، وبلا مقابل سوى الإيمان بقدرة الإنسان الفلسطيني على النهوض رغم كل أشكال القهر والعدوان. ففي مجتمع عانى من الاحتلال طوال مسيرته الحديثة، لم يكن التعليم مجرد وظيفة، بل كان فعل صمود ومقاومة وأداة حفظ للهوية والوعي.
إن تكريم المعلمين اليوم هو تكريم لذاكرة جماعية لطالما اعتبرت المعلم جزءًا من النسيج الوطني، وسندًا استراتيجيًا في معركة البقاء. ومن هنا تأتي أهمية تكريم المعلمين والمعلمات المتقاعدين تحت رعاية محافظ طولكرم اللواء د. عبد الله كميل ووزير التربية والتعليم العالي أ. د. أمجد برهم، والتي رأى فيها كثيرون لفتة تستحق التوقف، ليس لأنها نادرة، بل لأنها تذكر بدور غالبًا ما جرى تهميشه تحت ضغط الاقتصاد والسياسة والاشتباك اليومي مع الواقع.
البعد السياسي: المعلم ووعي المقاومة الوطنية
في فلسطين، لا يمكن فصل التعليم عن السياسة ولا عن الصراع على الوعي. فالاحتلال أدرك مبكرًا أن السيطرة على الأرض تبدأ بالسيطرة على الرواية، وأن المعلم كان عبر عقود هدفًا مباشرًا أو غير مباشر في معركة الوعي هذه، سواء من خلال الاعتقال أو التضييق أو سياسات التشتيت والتهجير. ومن هنا يصبح التكريم فعلًا سياسيًا بامتياز، لأنه يعيد الاعتبار لدور لم يقتصر على إنتاج الطبيب والمهندس، بل ساهم في إنتاج الفلسطيني نفسه بوصفه كائنًا مقاومًا، متشبثًا بهويته ووطنه.
ولا تأتي الإشارة إلى الظروف التي تعيشها مخيمات طولكرم ونور شمس من فراغ؛ فاستمرار العملية التعليمية رغم العدوان والتهجير يعكس أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة، بل هي خندق من خنادق الصمود الشعبي.
البعد التربوي: حين يصبح التعليم رسالة وقيمة
من منظور تربوي، يمثل المعلم الفلسطيني رمزًا لثقافة الاستمرارية. فالأجيال التي مرت في المدارس الوطنية قبل قيام السلطة وبعدها أدركت أن التعليم لم يكن رحلة مهنية، بل مهمة أخلاقية قوامها بناء الإنسان القادر على التحليل والمساءلة والانتماء. وإذا كانت الدول تقاس بجودة نظامها التعليمي، فإن فلسطين قاست تعليمها بقدرته على مواجهة الواقع الاحتلالي ومراكمة المعرفة رغم غياب الموارد وتراجع البنية التحتية والحصار الجغرافي والسياسي.
البعد القانوني: الحق في التعليم ومسؤولية الدولة والمجتمع
قانونيًا، لا يزال التعليم حقًا أساسيًا نصت عليه القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يضمن حصول المواطنين على تعليم متكافئ. وهو ما يمنح المعلم دورًا مزدوجًا: فهو من جهة أداة تنفيذ لهذا الحق، ومن جهة أخرى شاهد على مدى التزام الدولة والبيئة السياسية به.
خاتمة وتوصيات: نحو إعادة الاعتبار للتعليم ومساره الوطني
إن تكريم المعلمين في طولكرم هو محطة رمزية تذكر الجميع بأن التعليم في فلسطين ليس مسارًا تقنيًا أو وظيفيًا فحسب، بل هو مكون أساسي في الهوية الوطنية، وركيزة من ركائز المقاومة الوعيّة التي أسهمت في بقاء المجتمع الفلسطيني واستمراره. ومع ما شهده القطاع التعليمي من تحديات بنيوية وسياسية واقتصادية خلال السنوات الأخيرة، فإننا اليوم بامس الحاجة إلى إعادة العملية التعليمية والتربوية إلى مسارها الطبيعي، وهو مسار قائم على القيم والمعرفة والهوية والانتماء، وعلى بناء الإنسان الفلسطيني القادر على التفكير والنقد والمشاركة في الحياة العامة.
وعلى هذه القاعدة، فإن المسؤولية موزعة بين الحكومة والوزارة والمعلمين ونقاباتهم والمجتمع المدني، مع التأكيد أن الحكومة تتحمل العبء الأكبر في إعادة الاعتبار للتعليم وترميم بنيته وتعزيز بيئته القانونية والاقتصادية، ورفع مكانة المعلم ماديًا ومعنويًا بما يجعله قادرًا على أداء رسالته دون انتقاص ولا تهميش.
ويُنتظر من الحكومة الفلسطينية أن تتحمل كامل مسؤولياتها في هذا الشأن، سواء على مستوى الحقوق والرواتب والتأهيل والتطوير المهني، أو على مستوى إصلاح المنظومة التعليمية بما يضمن الارتقاء بجودتها وتحديث مناهجها وتعزيز بعدها الوطني والثقافي، لتستعيد المدرسة الفلسطينية دورها في صناعة الوعي كما كانت دائمًا.
لقد كانت فلسطين، وطولكرم تحديدًا، بلد العلماء والمثقفين والمتعلمين عبر تاريخها، وموئلًا للمعرفة والفكر القانوني والأدبي والوطني. وهذا الإرث ليس مادة للحنين، بل مسؤولية تاريخية تستوجب الحفاظ عليه وتطويره، لنظل أوفياء لقيم التعليم، ولرسالة المعلم، وللوطن الذي جعل من العلم عنوانًا للكرامة والحرية.



