فتح ملفات البلديات: المساءلة بين سيادة القانون ومتطلبات الإصلاح
المحامي علي ابوحبله
فتح ملفات البلديات: المساءلة بين سيادة القانون ومتطلبات الإصلاح
المحامي علي ابوحبله
مقدمة:
إنّ استغلال البعض للانتخابات البلدية والقروية بوصفها منصة لتحقيق مصالح شخصية أو مكاسب فئوية أو لإثراء غير مشروع، يفرض فتح باب المساءلة والمحاسبة على مصراعيه أمام المجالس البلدية المتعاقبة، ووضع النقاط على الحروف حتى تستقيم الأمور في نصابها الطبيعي والقانوني. فالحكم المحلي ليس ساحة للمساومات ولا وسيلة للتوظيف السياسي أو المحسوبية، بل منظومة خدمية وتنموية تستمد شرعيتها من ثقة المواطنين ومبدأ سيادة القانون. ومن هنا، يصبح إنهاء حالة الإفلات من العقاب وتعزيز الشفافية والنزاهة خطوة ضرورية للانتصار للقانون وتكريس دولة المؤسسات.
تطرح الممارسات المرتبطة بالتوظيف العشوائي والبطالة المقنّعة في عدد من البلديات الفلسطينية إشكالية جوهرية تتعلق بمدى التزام الحكم المحلي بقواعد النزاهة والشفافية وسيادة القانون. فقد أدى تضخّم الجهاز الوظيفي وإسناد الوظائف خارج الحاجة الفعلية، وفي بعض الأحيان بدوافع الزبائنية أو تبادل المصالح، إلى استنزاف الموارد المالية وتقليص القدرة على تنفيذ المشاريع الأساسية التي يحتاجها المواطن، ما انعكس سلبًا على الخدمات وعلى دور البلديات كرافعة تنموية.
إن جوهر الوظيفة العامة في القانون يقوم على مبدأ الخدمة وتكليف المنصب لصالح المجتمع، وليس أداة لتحقيق مكاسب شخصية أو نفوذ سياسي أو مصالح شبكية. وعليه، فإن معالجة هذه الظواهر لا تنطلق من منطق الاتهام أو التشهير، بل من ضرورة إصلاح بنيوي يعيد الاعتبار إلى الوظيفة المحلية كجزء من منظومة الحكم العام، ويضمن سلامة الإدارة المالية والخدمية والتنموية.
ويمثل فتح ملفات المجالس السابقة والتحقق من التعيينات والمشتريات والمشاريع وإدارة الأملاك العامة وكل ما يتصل بشبهة تحقيق منفعة خاصة خطوة إصلاحية لا غنى عنها. هذه الخطوة يجب أن تتم في إطار قانوني ومؤسسي يضمن حق الجهات الرقابية المختصة — كوزارة الحكم المحلي وديوان الرقابة المالية والإدارية وهيئة مكافحة الفساد — في التحقق والمساءلة واسترداد المال العام عند ثبوت التجاوزات، وفقاً لمقتضيات القانون.
وتؤكد النصوص المنظمة للهيئات المحلية على مبدأين أساسين: الإفصاح والرقابة. فالموازنات السنوية والتقارير المالية ليست وثائق داخلية بل أدوات رقابية وحق للمواطن الذي يمول البلديات عبر الضرائب والرسوم. وبهذا المعنى، فإن الرقابة ليست عبئًا على المجالس بل ضمانة لمؤسساتها، وحماية للخدمة العامة، وصمام أمان للتخطيط التنموي.
ولا يمكن فصل الشأن البلدي عن البعد السياسي الوطني. فالبلديات تمثل اليوم أحد الأعمدة الأساسية في البنية الإدارية الفلسطينية، وهي منصة لتطوير الاقتصاد المحلي، وتنظيم العمران، وتحسين الخدمات، وخلق فرص عمل، واستقطاب التمويل الدولي للمشاريع. وأي خلل في هذه البنية لا يضر مدينة أو مجلسًا بعينه، بل يمس قدرة المجتمع على الصمود والتنمية ويعزز فجوات عدم الثقة بالمؤسسات.
إنّ الإصلاح البلدي ليس مسارًا تقنيًا أو محاسبيًا ضيقًا، بل خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز الشرعية وتعميق الثقة بالمؤسسات وتحسين الأداء العام وتحصين المصلحة الوطنية من نزعات التوظيف السياسي أو المحسوبيات في الحكم المحلي. وهذه العملية تتطلب إرادة سياسية واضحة، وتطبيقًا متساويًا للقانون دون انتقائية، وضمان استقلالية الجهات الرقابية، وتحرير الوظيفة العامة من ضغوط الفئوية والمحاصصة.
خاتمة:
إن الجرائم التي تمسّ الحق العام وترقى إلى شبهة الفساد واستغلال المنصب وتحقيق المكاسب غير المشروعة، وفق قانون مكافحة الفساد، لا تسقط بالتقادم ولا تسويها حسابات الزمن. فحق المجتمع في المحاسبة واسترداد المال العام حق مكتسب قانونيًا وأخلاقيًا ووطنياً، وهو أساس لحماية الوظيفة العامة من الفاسدين وشبكات المحسوبية والتسوّل على حبال الوطنية لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية. ومكافحة الفساد بجميع صوره ليست خيارًا تجميليًا، بل ضرورة وطنية لحماية سيادة القانون وصون المصلحة العامة وإعادة الاعتبار لمفهوم الوظيفة العامة كتكليف يخدم المواطنين ويحمي مؤسساتهم.



