الاستيطان الإسرائيلي: من سياسة فرض الأمر الواقع إلى مشروع ضم استراتيجي
رؤية وطنية شاملة لمواجهته عبر لجنة عليا بإشراف المجلس الثوري
الاستيطان الإسرائيلي: من سياسة فرض الأمر الواقع إلى مشروع ضم استراتيجي
رؤية وطنية شاملة لمواجهته عبر لجنة عليا بإشراف المجلس الثوري
ورقة عمل استراتيجية وقانونية
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
مقدمة
يشكل الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أحد أخطر التحديات الاستراتيجية التي تواجه القضية الفلسطينية، باعتباره ليس مجرد توسع عمراني أو نشاط سكاني، وإنما مشروع سياسي وأمني واقتصادي متكامل يهدف إلى تغيير طبيعة الأرض المحتلة، وفرض وقائع جديدة تتجاوز حدود الاحتلال المؤقت نحو تكريس منظومة ضم تدريجي وإحكام السيطرة على الموارد والأرض والحدود.
لقد انتقلت سياسة الاستيطان خلال العقود الماضية من مرحلة إنشاء تجمعات استيطانية متفرقة إلى مشروع ممنهج يستهدف إعادة رسم الخريطة الجغرافية والديمغرافية للضفة الغربية والقدس المحتلة، عبر مصادرة الأراضي، والسيطرة على المناطق الاستراتيجية، وشق الطرق الالتفافية، وإقامة البؤر الاستيطانية، وتشجيع الاعتداءات المنظمة من قبل المستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وأمام هذا الواقع المتسارع، لم يعد التعامل مع الاستيطان ممكناً من خلال ردود فعل محدودة أو جهود متفرقة، بل أصبح من الضروري بناء استراتيجية وطنية شاملة، تقوم على توحيد الطاقات السياسية والقانونية والشعبية والدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية، وتحويل مواجهة الاستيطان إلى برنامج وطني دائم ومستدام.
ومن هنا تأتي أهمية إنشاء لجنة وطنية عليا لمواجهة الاستيطان بإشراف وإدارة المجلس الثوري لحركة فتح، باعتبارها إطاراً وطنياً تنظيمياً واستراتيجياً يهدف إلى توحيد الجهود، ووضع رؤية متكاملة لمواجهة المشروع الاستيطاني، وحماية الأرض وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني.
أولاً: الرؤية الوطنية الاستراتيجية
تقوم الرؤية المقترحة على الانتقال من سياسة إدارة آثار الاستيطان إلى سياسة المواجهة الشاملة للمشروع الاستيطاني، عبر بناء منظومة وطنية متكاملة تجمع بين العمل السياسي والقانوني والدبلوماسي والشعبي والإعلامي والاقتصادي.
وتتمثل هذه الرؤية في:
حماية الأرض الفلسطينية باعتبارها أساس الحقوق الوطنية.
تعزيز صمود المواطنين في المناطق المستهدفة.
مواجهة مخططات الضم وتغيير الواقع الجغرافي.
تثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية.
توظيف القانون الدولي لمساءلة الاحتلال.
بناء تحالف دولي رافض لسياسات الاستيطان.
ثانياً: تشكيل اللجنة الوطنية العليا لمواجهة الاستيطان
تُنشأ اللجنة بقرار وطني رسمي، وتعمل تحت إشراف المجلس الثوري، على أن تضم ممثلين عن مختلف القطاعات ذات العلاقة، بما يضمن التكامل والتنسيق.
وتتكون من: ممثلين عن المجلس الثوري.هيئة مقاومة اوالاستيطان.
وزارة الخارجية.وزارة العدل.وزارة الحكم المحلي.وزارةالزراعة.هيئة شؤون الأراضي.نقابة المحامين.المؤسسات الحقوقية.الجامعات ومراكز الأبحاث.المحافظات.الاتحادات والنقابات.ممثلي الشباب والمرأة.لجان الحماية الشعبية.خبراء القانون الدولي والعلاقات الدولية.
وتتمتع اللجنة بصلاحيات تنسيقية واسعة تمكنها من إعداد الخطط، ومتابعة التنفيذ، ورفع التقارير الدورية للقيادة الفلسطينية.
ثالثاً: مهام اللجنة وأولوياتها الوطنية
تتولى اللجنة إعداد استراتيجية وطنية لمواجهة الاستيطان تقوم على المحاور التالية:
1. المحور القانوني الدولي
يعد المسار القانوني أحد أهم أدوات مواجهة الاستيطان، باعتباره انتهاكاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي العام.
وتعمل اللجنة على:
إعداد قاعدة بيانات قانونية شاملة حول المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
توثيق جرائم مصادرة الأراضي والاعتداءات.
إعداد الملفات القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية.
متابعة الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية الاحتلال وسياساته.
ملاحقة الشركات والمؤسسات المتورطة في دعم الاستيطان.
دعم المواطنين الفلسطينيين في القضايا المتعلقة بالأرض والملكية.
ويستند هذا المسار إلى مجموعة من المرجعيات القانونية الدولية، أبرزها:
اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة وفق المادة (49).
لوائح لاهاي لعام 1907 التي تؤكد أن الاحتلال وضع مؤقت لا يمنح القوة المحتلة حق السيادة على الأرض.
ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر اكتساب الأراضي بالقوة ويؤكد حق الشعوب في تقرير مصيرها.
قرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016 الذي أكد عدم وجود شرعية قانونية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يعتبر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة جريمة حرب.
رابعاً: برنامج المواجهة الشعبية وتعزيز الصمود
إن حماية الأرض تبدأ من تثبيت الإنسان الفلسطيني عليها، ولذلك يجب اعتماد برنامج وطني للصمود يشمل:استصلاح الأراضي المهددة بالمصادرة. زراعة الأشجار المثمرة. دعم المزارعين.إنشاء التعاونيات الزراعية. شق الطرق الزراعية.توفير مصادر المياه.
بناء المشاريع الإنتاجية في المناطق المهددة.
تعزيز وجود المواطنين في الأغوار والمناطق المصنفة "ج".
كما يشمل البرنامج تشكيل لجان حماية شعبية تعمل على رصد الاعتداءات وتنظيم الفعاليات السلمية وتعزيز الوجود الفلسطيني على الأرض.
خامساً: المواجهة السياسية والدبلوماسية
يتطلب التصدي للاستيطان تحركاً سياسياً دولياً واسعاً من خلال:
تفعيل الدبلوماسية الفلسطينية والعربية.التواصل مع الحكومات والبرلمانات الدولية.تعزيز الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.بناء تحالفات دولية لمواجهة سياسة الضم.
استثمار القرارات الدولية في الضغط السياسي والقانوني على الاحتلال.
فالاستيطان ليس قضية فلسطينية داخلية، بل قضية تمس النظام القانوني الدولي برمته، باعتباره نموذجاً لفرض الأمر الواقع بالقوة.
سادساً: المواجهة الإعلامية وبناء الرواية الدولية
تحتاج المعركة مع الاستيطان إلى استراتيجية إعلامية حديثة قادرة على الوصول إلى الرأي العام العالمي.
وتعمل اللجنة على:
إنشاء مرصد إعلامي وطني للاستيطان.إصدار تقارير دورية باللغات المختلفة.توثيق الاعتداءات بالصوت والصورة.إنتاج أفلام وتقارير وثائقية.إطلاق حملات رقمية دولية.التعاون مع وسائل الإعلام العالمية والمؤسسات الحقوقية. فالسيطرة على الرواية الإعلامية أصبحت جزءاً أساسياً من معركة الشرعية الدولية.
سابعاً: البعد الاقتصادي لمواجهة الاستيطان
لا يمكن مواجهة الاستيطان دون تعزيز القدرة الاقتصادية للمواطن الفلسطيني.ويشمل ذلك: إنشاء صندوق وطني لدعم الصمود.دعم المشاريع الزراعية والإنتاجية.تشجيع الاستثمار في المناطقالمهددة.
دعم الاقتصاد المحلي.مواجهة اقتصاد المستوطنات.وتعزيز الاعتماد على الإنتاج الوطني.
ثامناً: خطة التنفيذ
المرحلة الأولى: أول مئة يوم
تشمل:تشكيل غرفة عمليات وطنية.إعداد خريطة شاملةللاستيطان.
حصر البؤر الاستيطانية.إنشاء قاعدة بيانات وطنية.إطلاق منصة إلكترونية للتوثيق.
المرحلة الثانيةوتشمل:
إطلاق حملة وطنية ودولية تحت شعار:"الأرض باقية والاستيطان إلى زوال"تنظيم مؤتمرات دولية.إرسال وفود قانونية وسياسية.
تفعيل الحملات الإعلامية.وملاحقة الجهات الداعمة للاستيطان.
المرحلة الثالثة
تشمل:تقييم الأداء.تطوير الخطط.إصدار تقرير وطني سنوي.تقديم توصيات استراتيجية للقيادة.
تاسعاً: مؤشرات قياس النجاحوتقاس نتائج الخطة من خلال:
ارتفاع مستوى التوثيق القانوني للانتهاكات.زيادة القضايا المرفوعة دولياً.وتعزيز صمود المواطنين في المناطق المهددة.توسيع دائرة التضامن الدولي.زيادة الضغط السياسي والقانوني على الاحتلال.
حماية المزيد من الأراضي من المصادرة.
الخاتمة
إن مواجهة الاستيطان الإسرائيلي أصبحت معركة وطنية شاملة تتجاوز حدود السياسة اليومية، لأنها ترتبط بمستقبل الأرض الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
ولذلك فإن إنشاء لجنة وطنية عليا بإشراف المجلس الثوري يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة عمل موحدة قادرة على مواجهة المشروع الاستيطاني بأدوات قانونية وسياسية وشعبية وإعلامية واقتصادية متكاملة.
فالمعركة على الأرض هي في الوقت ذاته معركة على القانون والشرعية والرواية والوجود. وكلما امتلك الفلسطينيون استراتيجية موحدة ومؤسسات فاعلة، ازدادت قدرتهم على حماية حقوقهم الوطنية وإفشال مخططات الضم والاستيطان، وترسيخ حقهم المشروع في الحرية والاستقلال وإقامة دولتهم المستقلة وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
إعداد: المحامي علي أبو حبلة



