المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاقات الإصلاح ومتطلبات التجديد الوطني

يناير 16, 2026 - 19:20
يناير 16, 2026 - 19:21
المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاقات الإصلاح ومتطلبات التجديد الوطني

المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاقات الإصلاح ومتطلبات التجديد الوطني

المحامي علي أبو حبلة

مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة «فتح»، تعود الحركة إلى محطّة مفصلية تشبه تلك اللحظات التي أعادت صياغة هويتها الوطنية والسياسية منذ انطلاقتها. فالمؤتمر ليس مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل يحمل هذه المرّة دلالات أعمق تتقاطع مع مسارات الأزمة الفلسطينية الراهنة، وتحديات الحرب الإسرائيلية على غزة، واستحقاقات الوحدة الوطنية، واستئناف المسار السياسي على قاعدة الدولة الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية.

أولاً: ديناميات التحضير وتحوّلات المزاج التنظيمي

المعلومات المتداولة داخل أطر الحركة تعكس جدّية غير مسبوقة في التحضير، سواء لجهة تحديد معايير العضوية والمؤتمرين، أو لجهة مراجعة آليات اختيار القيادة وتركيب اللجنة المركزية والمجلس الثوري. فقد استحوذ ملف الانتخابات الداخلية وتحديث الهيكل التنظيمي على جلسات المجلس الثوري الذي يمثّل «برلمان الحركة»، مع طروحات لدمج خبرات جديدة وشابة، إلى جانب القيادات التاريخية التي تحافظ على التوازن والشرعية التنظيمية.

وتشير النقاشات إلى إدراك القيادة أن الزمن السياسي تغيّر، وأن متطلبات المرحلة تتطلب تجديدًا في أدوات إنتاج القرار داخل الحركة، وإعادة وصل المسار التنظيمي بالتحولات السياسية والإقليمية، دون كسر الخط التاريخي الذي ميّز «فتح» كممثل أساسي للحركة الوطنية الفلسطينية.

ثانياً: معضلة غزة وتمثيل الساحات

يبرز تمثيل قطاع غزة كأحد أهم التحديات التقنية والسياسية في آن واحد، بفعل الحصار ومنع الحركة والتنقل. لكن الاتجاهات داخل الحركة تميل لإيجاد آليات مبتكرة تحفظ تمثيل غزة وتمنع إنتاج فراغ سياسي أو تنظيم انفصالي بين الساحتين. وفي المقابل، تستبعد أوساط «فتح» إعادة إدماج محمد دحلان وتياره، في حين فُتح الباب جزئيًا أمام بعض المفصولين على أساس قرارات فردية، بما يعكس سياسة براغماتية دون تراجع عن الخطوط الحمراء التنظيمية.

ثالثاً: ملفات المؤتمر… بين الوحدة الوطنية وتجديد الشرعية

يتعامل المؤتمر الثامن مع ثلاثة مسارات كبرى متداخلة:

المسار الوطني: ويشمل مقاربة ملف الوحدة الوطنية، والتعامل مع حماس، ومستقبل العلاقة بين غزة والضفة، ومنع فصل الجغرافيا السياسية الفلسطينية على نحو يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية.

المسار السياسي والدبلوماسي: ويتعلق بمستقبل منظمة التحرير، وملف الانتخابات العامة، والتعامل مع التحولات الدولية والإقليمية الجديدة، بما في ذلك النفور المتزايد من الصراع المفتوح وعودة الحديث عن حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية.

المسار التنظيمي والإداري: وهو ملف إصلاح المكاتب والأطر، وتقييم الأداء المالي والإعلامي، وإعادة النظر بآليات صنع القرار داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري والأقاليم، مع التركيز على الشفافية والمساءلة.

رابعاً: التجديد القيادي… بين الخبرة والحيوية

تدور توقعات حول دخول لاعبين من الصف الثاني والثالث إلى اللجنة المركزية والمجلس الثوري، من كوادر شابة أو دبلوماسيين أو أسرى محررين، في مقابل استمرار الرئيس محمود عباس على رأس الحركة، مع دور محوري لنائب الرئيس محمود العالول في إدارة السياقات التنظيمية للمؤتمر. ويُنتظر أن يجري تعزيز التمثيل المناطقي والنسبي لضمان توازن الساحات التنظيمية في الداخل والخارج.

خامساً: منطق الإصلاح… من التنظيم إلى المشروع الوطني

التحدي الأعمق الذي يواجه المؤتمر لا يتعلق فقط باستبدال أسماء أو تعديل مواقع، بل في الإجابة عن سؤال جوهري: هل يمكن لفتح أن تقود مشروع التجديد الوطني الفلسطيني في ظل بيئة مشتعلة وحالة انهيار إقليمي وفوضى استراتيجية؟

ذلك يتطلب:

دمج الشباب والكفاءات ضمن هيكل القرار.

تحديث قواعد اختيار المسؤولين بعيدًا عن المحسوبيات القديمة.

إعادة قراءة الواقع السياسي الفلسطيني بوصفه واقعًا متحركًا لا قابلًا للثبات.

ربط المؤتمر بخريطة طريق وطنية تعيد للمنظمة دورها التمثيلي الجامع.

معالجة ثنائية «الحكم والمقاومة» على أسس سياسية واقعية تتجاوز ردود الفعل.

سادساً: آفاق ما بعد المؤتمر… واستحقاقات المستقبل

نجاح المؤتمر الثامن سيحدّد مستقبل الحركة ودورها في تمثيل الفلسطينيين في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى إعادة بناء منظمة التحرير أو التحضير للانتخابات العامة أو إدارة التوازنات الإقليمية الجديدة. وفي المقابل، فإن فشل المؤتمر في إنتاج تجديد حقيقي سيعيد إنتاج ترهّل تنظيمي يصعب إصلاحه لاحقًا، وقد يفتح الباب أمام قوى أخرى لملء الفراغ السياسي داخل النظام الفلسطيني.

خاتمة: فتح عند مفترق تاريخي

المؤتمر الثامن ليس حدثًا داخل بيت فتح فحسب، بل لحظة اختبار لجدوى المشروع الوطني الفلسطيني وقدرته على التطور. إن قدرة فتح على الجمع بين الخبرة التاريخية والحيوية الشابة، وبين الإصلاح التنظيمي والوحدة الوطنية، هي شرط لبقاء الحركة قوة مركزية في الصراع مع إسرائيل، وركنًا أساسيًا في بناء المستقبل السياسي الفلسطيني.

فالمرحلة المقبلة تتطلب قيادة تمتلك رؤية سياسية واستراتيجية ومرونة تفاوضية وقدرة على إدارة الأزمات، إلى جانب التزام بمبدأ الشراكة الوطنية وتفعيل المؤسسات، كي لا يبقى المشروع الوطني رهينة الجغرافيا أو الانقسام أو حسابات اللحظة.