معبر الكرامة… بين الجغرافيا والسياسة وحقوق الإنسان: قراءة موضوعية في معبر الفلسطيني الوحيد نحو العالم

إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة

يناير 14, 2026 - 21:34
معبر الكرامة… بين الجغرافيا والسياسة وحقوق الإنسان: قراءة موضوعية في معبر الفلسطيني الوحيد نحو العالم

معبر الكرامة… بين الجغرافيا والسياسة وحقوق الإنسان: قراءة موضوعية في معبر الفلسطيني الوحيد نحو العالم
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
يشكل معبر الملك حسين (الكرامة) أحد أهم الشرايين الحيوية في حياة الفلسطينيين، بوصفه المنفذ البري الرئيسي نحو الأردن والعالم الخارجي. وتحول هذا المرفق الصغير في مساحته إلى محور تتقاطع عنده الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والحقوق الإنسانية، ما يجعله أكثر من مجرد نقطة عبور، بل مساحة تختبر فيها قدرة الفلسطيني على ممارسة حقه الطبيعي في التنقل، وتُقاس عبرها مستويات الحرية والسيادة والكرامة اليومية.
السيطرة على الزمن كأداة إدارة للمعبر
ورغم الارتباط الذهني بالمعبر كمنشأة فلسطينية – أردنية، إلا أن الجانب الإسرائيلي لا يزال يتحكم بعناصر رئيسية في دورة التشغيل، من توقيت فتح وإغلاق الجسر، إلى تدقيق الجوازات، والبنية الأمنية، والموافقات الخاصة. ويعتبر باحثون في قضايا الاحتلال أن التحكم بالزمن عنصر غير مرئي لكنه فاعل في إدارة الحياة المدنية للفلسطينيين.
العبور كعبء إنساني
يمر عبر المعبر سنويًا مئات الآلاف من المسافرين في اتجاهات متعددة؛ للدراسة والعلاج والعمل ولمّ الشمل والعبادة والسياحة. وتشهد المواسم ذروة ازدحام تؤدي إلى ساعات انتظار طويلة وتعطيل مواعيد الرحلات الجوية وتأثيرات نفسية خاصة على كبار السن والأطفال والمرضى، وهو ما يدخل ضمن خانة الحقوق الإنسانية الأساسية المتعلقة بحرية الحركة.
وتشير تقارير مؤسسات دولية إلى أن حرية الحركة للفلسطينيين لا تزال مرتبطة بمنظومة معقدة من القيود، الأمر الذي يجعل المعبر ليس مجرد حاجز لوجستي، بل اختبارًا لحق محمي في القانون الدولي مثل: الحق في العمل  والحق في التعليم والحق في العلاج
الحق في الحياة الأسرية والحق في السفر والحق في الكرامة الإنسانية
البعد الأردني… بوابة جغرافية ومصلحة اقتصادية
من الجانب الأردني، يشكل المعبر نقطة استراتيجية تُدار فيها حركة البشر والبضائع، ويُنظر إليه من زاوية الأمن القومي والسياحة والتعليم والعلاج ومرور الحجاج والمعتمرين. وقد طرح خبراء اقتصاديون أردنيون رؤى تطويرية للمعبر بوصفه مصدرًا غير مباشر لتنشيط قطاعات الخدمات.
الجانب الفلسطيني… إدارة مقيدة بسقف سياسي
أما الجانب الفلسطيني فيمارس دوره في المجال التقني والتنظيمي، بينما تبقى محدودية السيادة السياسية على المعبر مرتبطة بالاتفاقات المرحلية وبواقع الاحتلال. ومع ذلك، يحاول الجانب الفلسطيني تحسين الإجراءات الداخلية ضمن ما هو متاح إداريًا وقانونيًا.
النقل البري… جدل الاحتكار والمنافسة
يلعب النقل البري دورًا أساسيًا في تجربة العبور، ويشير اقتصاديون إلى أن تعزيز المنافسة في هذا القطاع قد يسهم في تحسين الجودة وخفض التكلفة دون الإخلال بالدور التنظيمي للدول المعنية. ويمثل هذا الجانب جزءًا من نقاش أوسع حول كفاءة الخدمات وحوكمة المعابر.
حلول ممكنة ضمن إطار قانوني واتفاقي
ويرى متخصصون في الشأن القانوني والحدودي أن تحسين واقع المعبر لا يستدعي خوض مفاوضات سياسية كبرى، بل يمكن أن يستند إلى تنفيذ تفاهمات سابقة وتطوير إجراءات تشغيلية وتكنولوجية. ومن أبرز المقترحات المطروحة في السياق العام:
فتح المعبر 24 ساعة يوميًا
وهي خطوة سبق تطبيقها في فترات معينة وأسهمت في تخفيف الازدحام وتقليل التكاليف والوقت، ما يجعلها خيارًا عمليًا وقابلًا للتنفيذ.
تنفيذ الاتفاقات والتفاهمات الفلسطينية – الإسرائيلية – الأردنية السابقة
تشمل تحسين حركة المسافرين، وتوسيع الفئات المسموح لها بالمرور، وتبسيط الدورة الأمنية، وتطوير المسار التكنولوجي لحجز المواعيد والتتبع.
تطوير البنية الخدماتية والرقمية
من خلال توسيع المرافق وقاعات الانتظار وتحديث نظم النقل الداخلي ومنصات الحجز الإلكتروني والمتابعة الزمنية في الاتجاهين. والعمل على تعزيز المنافسة في قطاع النقل
بوصفها أداة لتحسين الخدمة وتخفيض التكلفة ورفع الجاهزية التشغيلية.
إنشاء آلية متابعة وتقييم شفافة
سواء عبر لجنة ثلاثية أو جهة رقابية مستقلة تصدر سنويًا تقييمات أداء دون مساس بالسيادة.
خاتمة… المعبر ليس تفصيلًا
إن معبر الكرامة، رغم حجمه الصغير، يحمل فوق جسوره معظم ثقل الحياة الفلسطينية اليومية. فهو مساحة تختبر فيها حقوق الإنسان، وتتداخل عندها السيادة مع الأمن، والاقتصاد مع القانون الدولي، والسياسة مع الجغرافيا.
ويجمع العديد من المراقبين على أن فتح المعبر 24 ساعة يوميًا وتنفيذ الاتفاقات السابقة بين الأطراف الثلاثية يمثلان مدخلًا مباشرًا لتحسين ظروف العبور وتخفيف الكلفة الإنسانية، دون الإضرار بالمصالح السيادية لأي طرف. ويبقى تحسين واقع المعبر مطلبًا إنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا، وخطوة عملية نحو تخفيف معاناة ملايين الفلسطينيين الذين يطلبون عبورًا طبيعيًا من وطنهم إلى العالم.