«الكبار يموتون… والصغار لا ينسون»

المحامي علي ابوحبله 

يناير 13, 2026 - 08:36
«الكبار يموتون… والصغار لا ينسون»

«الكبار يموتون… والصغار لا ينسون»
المحامي علي ابوحبله 

لم تكن مقولة دافيد بن غوريون “الكبار يموتون والصغار ينسون” مجرد عبارة عابرة في تاريخ المشروع الصهيوني، بل كانت تعبيرًا عن قناعة سياسية مفادها أن الزمن قادر على محو الذاكرة الفلسطينية وإطفاء جذوة الصراع. غير أن تطور الصراع منذ النكبة عام 1948 وحتى الحرب على غزة بعد أكثر من سبعين عامًا أثبت العكس تمامًا. فالفلسطيني لم ينسَ، ولم يتراجع، ولم يتنازل عن حقه، بل طور أدواته وعمّق روايته وحافظ على ذاكرته الجماعية رغم محاولات الإبادة والتهجير والحصار والتجويع.
لقد أثبتت الحرب الأخيرة على غزة — التي اتخذت طابع الإبادة والتدمير المنهجي للبنية المدنية — أن الشعب الفلسطيني لم يُهزم ولن يُهزم، لا لأنه يمتلك فائض القوة العسكرية، بل لأنه صاحب حق وصاحب قضية محقة تاريخيًا وسياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا. ورغم طول سنوات الحرب، ورغم حجم الخسائر، صمد الفلسطيني على أرضه، وأسقط عمليًا نظرية “الخوف” و“التهجير الطوعي” و“الهروب الجماعي”، التي شكلت ركيزة للمنظور الإسرائيلي في إدارة الصراع منذ 1948.
في المقابل، أثبتت التجربة أن الأمن الإسرائيلي لا يمكن بناؤه على معادلة القوة وحدها، ولا على التطبيع مع الدول العربية بوصفه بديلًا عن حل جوهر الصراع. فالعلاقات الإقليمية والاقتصادية لا تصنع استقرارًا إن كانت تقوم على تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني، ولا تُنتج أمنًا لإسرائيل إن لم تُعالج المسألة الفلسطينية بوصفها أصل الصراع ومفتاح الحل. ولهذا أخفقت الهندسة الإقليمية التي سعت واشنطن وتل أبيب لتسويقها في إطار «شرق أوسط جديد» قائم على التحالفات والربط الاقتصادي، وتجاوزت الأحداث تلك الرؤية بعد أن أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الجغرافيا السياسية للمنطقة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة — وعلى رأسها الحرب على غزة — أن الزمن لم يكن حليف المشروع الصهيوني كما ظن مؤسسوه، وأن مقولة “الصغار ينسون” لم تتحقق. فالصغار اليوم أكثر ارتباطًا بالأرض والهوية من الأجيال الأولى، وأكثر قدرة على استخدام الوعي والسياسة والقانون والإعلام، مما جعل القضية الفلسطينية تنتقل من الحيز العربي والفلسطيني إلى الحيز العالمي بوصفها قضية عدالة تاريخية وإنسانية. ومن ثم تبدلت المقولة إلى نقيضها: الكبار يموتون… والصغار لا ينسون.
الخاتمة
إن مسار الصراع أثبت أن القوة لا تفرض سلامًا، وأن الردع العسكري لا يصنع أمنًا دائمًا، وأن تجاهل الحق الفلسطيني لن ينهي الصراع. فالمفتاح الحقيقي للسلام يبدأ من الإقرار بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس. أما تجاوز هذه الحقيقة أو الالتفاف عليها بتسويات شكلية أو تطبيع منفصل عن جوهر النزاع، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا. وستظل المنطقة تعيش حالة اللااستقرار ما لم يتحقق هذا الحق، لأن العدالة ليست شرطًا أخلاقيًا فحسب، بل شرطًا سياسيًا للسلام والاستقرار.
المحامي علي أبو حبلة