التربية وصيرورة الإنسان والوطن
ثروت زيد الكيلاني
ثروت زيد الكيلاني
الوطن، في جوهره، ليس مجرد أرض يخطو فوقها الإنسان أو خطوط على الخرائط تحدد امتدادات وحدوداً، بل هو حلم جدلي يُصاغ يومياً من خلال تفاعل الإنسان مع المكان والتاريخ، ومن خلال صيرورة مستمرة بين الماضي والحاضر والمستقبل. هو أفق يمتد، متشكل من تراكم القرارات والتجارب والتحديات، ومن التفاعل الديناميكي بين الذات والجماعة، بين الوعي والفعل. كما أن النهر لا يشرب من نفسه، بل يكتسب مياهه من كل روافد الزمن؛ كذلك الوطن يتغذى من كل فعل إنساني واعٍ، ومن كل تجربة معرفية تتحدى الصعوبات لتضفي معنى على الوجود، وتعيد إنتاجه عبر الأجيال.
الإنسان ليس مراقباً سلبياً لهذه الصيرورة، بل هو فاعل نشط وعضوي يمنح المكان صوغه وكيانه، كالفلاح الذي يحرث الأرض ليزرع فيها بذور الحياة، ويصقلها بالجهد والصبر حتى تنمو وتثمر، وكالمزارع الذي يعرف أن كل موسم هو تجربة جديدة تتفاعل مع ما سبقها. في كل تجربة، وفي كل اختيار واعٍ، يولد الوطن مرة أخرى، متجدّداً، حيّاً، قادراً على الصمود والتجدد. وهنا يظهر الدور المحوري للتربية والثقافة والفكر النقدي، فهي أدوات تمكين للإنسان، تمنحه القدرة على صوغ المستقبل بوعي ومسؤولية، دون أن تتحول الخبرة إلى روتين أو التقاليد إلى قيود تثقل الوجود.
في هذا الإطار، يصبح الوطن صيرورة دينامية تتشكل عبر الفكر والفعل والوعي، وكل تجربة، وكل قيمة، وكل لحظة إدراك، هي لبنة تُضاف إلى صرح أكبر من الذات، صرح يحفظ الذاكرة، يتيح الإمكانات، ويشيّد جسوراً نحو المستقبل. الوطن هنا ليس مجرد إطار ثابت، بل هو نتاج تفاعل الإنسان مع المكان والتاريخ، حكاية مستمرة تُكتب كل يوم بإرادة واعية، وحركة فكرية مسؤولة، وعمل مبدع. ومن هذه الزاوية، يصبح الإنسان ليس مجرد ساكن أو مراقب، بل فاعل مبدع ومسؤول عن صياغة معنى الوطن وامتداده في عمق الزمن الإنساني، حيث تتشابك التربية والفكر والفعل في دائرة متجددة من الصيرورة والتفاعل.
أولاً: لإنسان والوعي: التربية في إنتاج الوطن
المكان لا يسبق الإنسان، بل يتشكل معه وبقدر ما تتشكل قدراته على الفهم والمساءلة. الأرض ليست مجرد امتداد مادي، بل فضاء للمعنى، يحمل الذاكرة ويعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الحاضر وتاريخه المفتوح. الوطن ليس إطاراً جاهزاً للسكن، بل صيرورة إنسانية تتشكل بفعل الإنسان، وبالوعي الذي يحمله، وبالممارسة التي يشارك فيها مع الآخرين، وبإدراكه لتاريخ مضى ومستقبل محتمل.
عندما نُدرك البُعد الزمني للوطن، يتضح أن التاريخ ليس مجرد خلفية، بل قوة فاعلة تحكم إنتاج المعنى. الوطن تراكم من أزمات وانكسارات، من ولادات وتجارب جديدة، ومن صراع دائم بين إرادات متعددة تسعى لإضفاء معنى على المكان والذاكرة. التربية هنا تصبح وسيلة لاكتساب القدرة على التنقل بين هذه الطبقات الزمنية، وفهم كيف تتشكل الممارسات والقيم، وكيف يمكن إعادة إنتاج الوطن عبر الأجيال دون الوقوع في تكرار الانكسارات أو التقليد الأعمى.
الوعي الذي تنشئه التربية ليس مجرد إدراك للوقائع، بل قدرة على مساءلتها، وفهم البنى التي تنتج المعنى، وتمييز ما هو طبيعي أو مفروض، وفك رموز السلطة التي تشكل الفكر والسلوك. الانتماء، في هذا السياق، لا يُختزل في شعور وجداني أو شعار رمزي، بل يصبح بناء معرفياً وأخلاقياً، يربط الفرد بتاريخ الجماعة، ويعيد إنتاج المسؤولية تجاه المكان والمستقبل، ويتيح للمجتمع الاحتفاظ بمرونته أمام التحولات والصدمات.
ثانياً: التربية والثقافة: أدوات الصيرورة والجدلية في الفعل الوطني
الثقافة ليست مجرد رصيد تراثي أو زخرفة رمزية، بل فضاء حي تتشكل فيه المعاني ويُعاد فيه إنتاج الهوية والذاكرة الجمعية. إنها تمنح الفرد القدرة على فهم أبعاد الواقع، وحماية الكينونة من الانحلال الرمزي، وإعادة صياغة العلاقة بين الذات والمجتمع، وبين الفرد والجماعة. التربية المتصلة بالثقافة تعيد إنتاج القدرة على مقاومة الهيمنة الفكرية، وتحوّل المعرفة إلى أداة صون للوجود، والفعل إلى مشروع يحمي المعنى.
الفرد، نتيجة لذلك، لا يُفهم بوصفه حامل وظيفة اجتماعية أو دوره الضمني داخل الجماعة، بل كذات أخلاقية قادرة على الاختيار، ومسؤولة عن نتائج خياراتها، وتملك القدرة على تحويل الواقع المفروض إلى مشروع ممكن. الحرية هنا ليست مجرد انفلات من القيود، بل التزام بصياغة معنى الوجود والفعل. والإبداع، في هذا الإطار، يصبح ضرورة وجودية لا رفاهية، يعيد تعريف العلاقة بين الذات والعالم، بين الحرية والانتماء، وبين الحاضر والمستقبل، ويحوّل كل تجربة تعليمية إلى فضاء للتفكير النقدي والمبادرة المسؤولة.
البعد السلطوي والسياسي للوعي يظهر عندما نسأل: من يملك إنتاج معنى الوطن؟ من يحدد أدوات التربية؟ من يختار ما هو وعي مشروع وما هو تقييد أو تبعية؟ التربية، هنا، تتحول من مجرد ممارسة أخلاقية إلى ساحة صراع رمزي، حيث يُعاد تعريف الهوية، وتُفحص آليات السلطة على المعرفة، ويصبح التعليم فعلاً يوازن بين الحماية والإنتاج، بين التمكين والتحرر، وبين الفرد والجماعة.
المكان نفسه متعدد الطبقات. المدينة، والريف، والهامش، كل منها يقدم تجربة مختلفة للانتماء، ويشكل طريقة الإدراك والتفاعل. التربية الفاعلة تعي هذه التباينات، وتعمل على تمكين الفرد من تحويل موقعه إلى مساحة مشاركة وابتكار، لا إلى موقع استبعاد أو شعور بالعجز. بهذا، يصبح الوطن تجربة مشتركة متعددة الأصوات، يُعاد إنتاجها عبر تنوع الخبرات والفرص، مع مراعاة الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما يمنح البنية الوطنية قدرة على الصمود والتجدد.
ثالثاً: الفعل والإبداع: صياغة المستقبل وإعادة إنتاج الوطن
البعد المستقبلي يحوّل الوطن من ذاكرة مستعادة إلى مشروع ممكن. التربية لا تقتصر على فهم الواقع أو الصمود فيه، بل تعمل على استشراف الممكن، وصياغة جيل قادر على إنتاج معنى جديد، وبناء أدوات الفعل والمعرفة التي تمكنه من مواجهة التحديات القادمة بوعي ومسؤولية. الوطن هنا ليس مجرد مكان للعيش، بل مشروع حي يظل مفتوحاً، يُنتَج ويُعاد إنتاجه من خلال الإنسان الذي يحمل المعنى ويطبقه ويصونه.
كل فعل فردي وجماعي يصبح أداة لإعادة بناء الوطن. الإبداع ليس مجرد نشاط فكري، بل ضرورة وجودية لإعادة تعريف العلاقة بين الذات والمجتمع، بين الحرية والمسؤولية، وبين المعرفة والفعل. التربية، في هذا السياق، تتحول إلى مشروع تأسيسي: ربط المعرفة بالقيم، والفكر بالوعي، والانتماء بالمسؤولية، والفرد بالمجتمع. كل تجربة تعليمية، وكل ممارسة ثقافية، وكل لحظة تعلم تصبح لبنة في صرح الوطن المتجدد، الذي ينبض بالمعنى والوعي والمسؤولية، ويظل مفتوحاً لاستيعاب كل التحديات المستقبلية.
ختاماً، الوطن ليس مجرد مكان نسكنه، بل حالة وجودية متجددة، يُنتَج ويُعاد إنتاجه عبر الإنسان الواعي والمبدع، عبر التربية والثقافة والفعل والوعي، عبر التاريخ والمكان والمستقبل، عبر كل التجارب والتفاعلات التي تشكل الشخصية والهوية الوطنية. كل جيل متعلم يصبح حاملاً للشعلة، مُعيداً بناء الوطن، ومؤسساً لامتداده في عمق الزمن الإنساني، لتظل صيرورة الوطن حية، متجددة، ومجابهة لكل الانكسارات والتحديات بروح الإنسان المبدع والمتربّي.
——————————————————————
الثقافة ليست مجرد رصيد تراثي أو زخرفة رمزية، بل فضاء حي تتشكل فيه المعاني ويُعاد فيه إنتاج الهوية والذاكرة الجمعية. إنها تمنح الفرد القدرة على فهم أبعاد الواقع، وحماية الكينونة من الانحلال الرمزي، وإعادة صياغة العلاقة بين الذات والمجتمع، وبين الفرد والجماعة



